الحزب الشيوعي العراقي والحوار المربك: أين الرؤية السياسية؟

نبيل عبد الأمير الربيعي

أثار الحوار الذي أدارته الإعلامية سحر عباس جميل عبر قناة النهرين، قبل يومين، بمشاركة عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي حسين النجار، والضيف عباس غدير، تساؤلات بشأن إدارة الاختلاف السياسي، ومدى استعداد ممثلي القوى السياسية لمواجهة النقد والاتهامات بالحجة والوقائع. فالمشكلة لم تكن في مبدأ الحوار أو الانفتاح على الرأي الآخر، بل في مستوى النقاش الذي كان يفترض أن يكون أكثر عمقاً وهدوءاً، وأبعد عن الانفعال والشعارات المتبادلة.
حين يجلس ممثل حزب عريق، يمتلك تاريخاً طويلاً من النضال والتضحيات، إلى طاولة الحوار، فإنه لا يمثل رأيه الشخصي وحده، بل يتحمل مسؤولية تقديم خطاب سياسي متماسك يعكس تاريخ حزبه ومواقفه. ومن هنا، كان متوقعاً من حسين النجار أن يفكك اتهامات عباس غدير، ويضع القضايا المطروحة في سياقها التاريخي والسياسي، بدلاً من الاكتفاء بردود لم تمنح المشاهد صورة متكاملة عن طبيعة الخلاف.
من الأمثلة على ذلك الإشارة إلى اعتذار السيد عمار الحكيم وسحب فتوى تكفير الشيوعيين، كما طرحت في الحوار. فهذه القضية، بما تحمله من أبعاد سياسية وفكرية، تحتاج إلى توثيق وتحديد دقيق للوقائع والمواقف، ولا يمكن اختزالها في رد عابر. وكان الأجدر تحويلها إلى مدخل لمناقشة العلاقة بين قوى الإسلام السياسي واليسار العراقي، ومواقف تلك القوى من الحريات والتعددية السياسية وحق الاختلاف.
لكن المسؤولية لا تقع على النجار وحده؛ فالحوار التلفزيوني مسؤولية مشتركة بين المحاور والضيوف. والإعلامية سحر عباس جميل مطالبة بإدارة النقاش بما يضمن وضوح الأسئلة، ومنح الأطراف فرصاً متوازنة للرد، ومنع الانزلاق إلى سجال يحجب جوهر القضايا. كما أن الضيف الآخر، عباس غدير، مطالب بدوره بأن يسند اتهاماته بالأدلة والوقائع، لا أن تتحول المشاركة إلى مواجهة شعاراتية تتراجع فيها قيمة الحجة لمصلحة الانفعال.
لا أدعو إلى مقاطعة الحوار أو تجنب المواجهة، بل إلى إدراك أن الحضور الإعلامي ليس غاية بحد ذاته. فقبل المشاركة، ينبغي تحديد محاور النقاش، واستحضار الوقائع التاريخية، والاستعداد لمساءلة الطروحات المقابلة. ولا سيما عندما يتعلق الأمر بحزب الشيوعي العراقي، الذي لا يمكن فصل تاريخه عن صراعه مع الاستبداد، ولا عن التحولات التي شهدتها مواقفه وتحالفاته السياسية.
إن الحزب، بتضحيات مناضليه وما تعرضوا له من ملاحقات وسجون وإعدامات، أكبر من أن يختزل في حوار تلفزيوني عابر. غير أن الاعتزاز بهذا التاريخ لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن النقد والمراجعة؛ فالتضحيات تمنح التجربة مكانتها، لكنها لا تعفي قيادتها من الإجابة عن الأسئلة الصعبة المتعلقة بالحاضر والمستقبل.
لقد شهدت مسيرة الحزب تحولات وتحالفات أثارت نقاشات داخل أوساط اليسار وجمهوره، وهي تجارب تستحق مراجعة نقدية صريحة، بعيداً عن الدفاع التلقائي أو اعتبار كل سؤال استهدافاً لتاريخه. فقوة الحزب لا تقاس بعدد إطلالاته الإعلامية، بل بقدرته على تقديم خطاب مستقل يضع المواطنة فوق الطائفة، والدولة فوق الأحزاب، ومصالح الناس فوق حسابات السلطة.
وعندما يتحاور ممثلوه مع المدافعين عن أحزاب الإسلام السياسي، ينبغي ألا يقتصر النقاش على تبادل الاتهامات، بل أن يتناول مسؤولية القوى السياسية عن أزمات البلاد، ومواقفها من المحاصصة والفساد، والدولة المدنية، واستقلال القضاء، وحصر السلاح بيد الدولة. عندها يصبح الحوار فرصة لكشف التناقضات ومناقشة البرامج والممارسات، بدلاً من أن يكون مساحة لإرباك المواقف أو استعراض الخطابات.
إن ما حدث يطرح أسئلة تستحق أن تجيب عنها قيادة الحزب الشيوعي العراقي: هل تخضع المشاركات الإعلامية لتقدير سياسي مسبق؟ وهل تحدّد أهدافها ورسائلها قبل الظهور؟ وهل تجري مراجعة نتائجها لاستخلاص الدروس وتصحيح الأخطاء؟
إن طرح هذه الأسئلة ليس تشهيراً بحسين النجار، ولا تقليلاً من تاريخه أو مكانته، بل هو نقد ينطلق من الحرص على تجربة سياسية لها حضورها في تاريخ العراق. فالنقد الذاتي ليس ضعفاً، والاعتراف بالأخطاء حين تثبت لا ينتقص من التضحيات، بل يحمي التجربة من الجمود ويمنحها فرصة للتجدد.
إن الحزب الذي يسعى إلى استعادة ثقة العراقيين، ولا سيما الأجيال الجديدة، يحتاج إلى خطاب يجمع بين الوفاء لتاريخه والاستعداد لمراجعة خياراته، وبين الدفاع عن مبادئه والقدرة على مواجهة خصومه بالحجة والوثائق. كما يحتاج إلى استقلال سياسي وفكري لا تضعفه التحالفات غير المدروسة، ولا تربكه الحوارات التي تفتقر إلى التحضير.
في النهاية، ليست السياسة مجرد الجلوس إلى طاولة الحوار، بل معرفة لماذا نجلس، وما الذي نريد قوله، وكيف ندافع عن مواقفنا، وما الذي نتركه في وعي الجمهور. فالحوار الناجح لا يقاس بحدة الأصوات، بل بقدرته على توضيح الحقائق ومساءلة المسؤوليات.
الحزب الشيوعي العراقي لا يحتاج إلى الانسحاب من الحوار، بل إلى خطاب يليق بتاريخه، ورؤية واضحة لمستقبله، وشجاعة في مراجعة تجربته. فالتاريخ النضالي رصيد مهم، لكنه لا يغني عن الحجة، والمبادئ لا تُصان بالشعارات وحدها، بل بوضوح الموقف، واستقلال القرار، والقدرة على النقد الذاتي.

قد يعجبك ايضا
∧