رياضتنا بين المواقع المأجورة وتضليل العقل الجمعي

مظفر العقابي-التآخي

لم تعد أزمتنا الرياضية محصورة داخل المستطيل الأخضر، ولا يمكن اختزالها في خسارة مباراة أو إخفاق منتخب في بطولة. إننا أمام أزمة أعمق، تتداخل فيها أخطاء المؤسسات مع المصالح الشخصية، وتتحول فيها بعض المنصات إلى أدوات لتزييف الوعي، وتوجيه الرأي العام بعيداً عن حقيقة ما يجري خلف الكواليس.
إن المواقع المأجورة، حين تتخلى عن شرف الكلمة وتستبدل الحقيقة بالمصلحة، لا تكتفي بتشويه صورة الأشخاص أو تلميع المقصرين، بل تعبث بوعي الجمهور، وتزرع الشكوك، وتغذي الانقسامات، وتحول الاختلاف الرياضي إلى صراعات شخصية ومعارك افتراضية لا تخدم الوطن. إنها تصنع أبطالاً من الورق، وتمنح الفشل أوسمة الانتصار، وتطارد الأصوات الحرة التي تحاول كشف الخلل، حتى تضيع الحقيقة وسط ضجيج التضليل.
والأخطر أنها تستثمر في العقل الجمعي، وتراهن على سرعة انتشار الشائعات، وقوة العاطفة الجماهيرية، وضعف التحقق من المعلومات. ومع تكرار الرسائل الموجهة، قد تتحول الأكاذيب إلى قناعات، والمواقف المصطنعة إلى حقائق راسخة، ويجد الجمهور نفسه مدفوعاً للدفاع عن أشخاص ومصالح بدلاً من الدفاع عن مستقبل الرياضة العراقية.
ولا تتوقف أضرار هذه المواقع عند تشويه السمعة؛ فهي تضعف الثقة بالمؤسسات، وتربك عملية التقييم والمحاسبة، وتمنح المقصرين فرصة للهروب من المسؤولية، كما تستنزف طاقة الجمهور في سجالات عقيمة، بدلاً من توجيهها نحو المطالبة بالإصلاح الحقيقي. وعندما يصبح الانتشار بديلاً عن المصداقية، تتحول المنصات إلى عبء على الرياضة، لا جسراً لخدمتها.
لقد آن الأوان لاستعادة الاعتبار للنقد المهني، والمحاسبة القائمة على الأدلة، والعمل المؤسسي الذي يضع الكفاءة والنزاهة فوق الولاءات والمصالح. فالإصلاح يبدأ بتطوير الفئات العمرية، وتأهيل المدربين، وتحسين البنية التحتية، ومراجعة أداء الاتحادات والأندية، لا بالحملات الدعائية والجيوش الإلكترونية.
إن الإعلام الرياضي مسؤولية وطنية، والجمهور العراقي يستحق الحقيقة لا التضليل. فرياضتنا ليست سوقاً للمزايدات ولا ساحة لتصفية الحسابات؛ إنها حلم شعب وأمانة أجيال. وحين تُشترى الكلمة، يخسر الوعي، وحين يُضلَّل الجمهور، يدفع الوطن الثمن. ولن يستعيد العراق مجده الرياضي إلا حين تنتصر الحقيقة على المصالح، ويصبح الإصلاح إرادة وطنية تتقدم على ضجيج الدعاية ومكاسبها المؤقتة.

قد يعجبك ايضا
∧