ساجد الحلفي
حين نقول إن حقوق الإنسان تُبنى في المحاكم والبرلمانات، فإننا نُغفل حقيقةً أكثر عمقاً: أن الكرامة تبدأ من الجيب. فالفقير الذي لا يجد ما يأكله ليس حراً في التعبير، والمعدم الذي لا يجد سقفاً يحتمي به ليس حراً في التنقل، والعاطل عن العمل ليس حراً في اختيار حياته. الاقتصاد ليس مجالاً منفصلاً عن حقوق الإنسان، بل هو الميدان الأول الذي تختبر فيه هذه الحقوق. وحين يزدهر الاقتصاد ازدهرت معه الحقوق، وحين يتراجع، تراجعت معه الكرامة .
خذ الحق في الغذاء وحده. المادة الخامسة والعشرون من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على حق كل شخص في مستوى معيشة يكفيه لصحته ورفاهيته، بما في ذلك الطعام والملبس والمسكن والرعاية الطبية. لكن هذه المادة تبقى حبراً على ورق إذا لم يكن هناك اقتصاد قادر على إنتاج الغذاء وتوزيعه بشكل عادل. فالجوع في عالم ينتج من الطعام ما يكفي لإطعام سكانه مرتين، ليس مشكلة فائض وإنتاج، بل مشكلة اقتصاد وسياسات. وحين تفتح الفجوة بين الأغنياء والفقراء، تتسع معها فجوة الحقوق: الأغنياء يمارسون حقوقهم كاملة، والفقراء يبحثون عن حقوقهم في أكوام القمامة .
والأمر لا يتوقف عند الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وحدها. فالحقوق المدنية والسياسية نفسها تحتاج إلى اقتصاد قوي لتُصان. فمن يملك دخلاً كافياً يستطيع أن يوكل محامياً يدافع عنه، وأن يصل إلى محكمة عادلة، وأن يشارك في الحياة السياسية دون خوف من فقدان لقمة عيشه. أما الفقير، فإن بطاقته الانتخابية لا تحميه من البطالة، وصوته لا يغيّر حياته. ولهذا فإن الحقوق السياسية بلا تمكين اقتصادي تتحول إلى مظاهر احتفالية، لا إلى أدوات حقيقية للتغيير .
وقد أدركت الأمم المتحدة هذه الحقيقة حين ربطت هدف القضاء على الفقر بأهداف التنمية المستدامة كلها، حين أكدت المقررة الخاصة المعنية بالفقر المدقع أن الفقر يقع عند نقطة التقاء الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأن حقوق الإنسان غير قابلة للتجزئة. فمن لا يجد قوت يومه لا يمكن أن نطالبه بحرية الرأي، ومن لا يجد مسكناً لا يمكن أن نطلب منه المشاركة السياسية. إنها حقيقة بسيطة: الكرامة لا تسكن في العقول فقط، بل تسكن في البيوت والمستشفيات والمصانع والأسواق .
وهنا يبرز الدور الأهم: الاقتصاد ليس فقط شرطاً لحقوق الإنسان، بل هو أيضاً أداة فعالة لتعزيزها. فكلما اتسعت فرص العمل الكريم، اتسع معها الحق في الحياة الكريمة. وكلما ازدادت الإنتاجية وارتفعت الأجور، ازدادت قدرة الأسرة على تعليم أبنائها وعلاج مرضاهم. وكلما تطورت البنية التحتية، انتقل الناس من العشوائيات إلى بيوت آمنة، ومن الظلام إلى الكهرباء، ومن العزلة إلى الطرق والمستشفيات والمدارس. هذه ليست مجرد تحسينات اقتصادية، بل هي حقوق حية تتحقق في حياة الناس، لا في دفاتر الإحصاءات .
ومن هنا تأتي مسؤولية القطاع الخاص. فالشركات ليست مجرد كيانات تسعى إلى الربح، بل هي فاعلون في حقوق الإنسان. حين تدفع أجوراً عادلة، وتوفر ظروف عمل آمنة، وتمتنع عن تشغيل الأطفال، وتحمي البيئة، وتدفع ضرائبها، فإنها لا تفي بمسؤولية اجتماعية فقط، بل تساهم في تعزيز حقوق الإنسان. وحين تفعل العكس، فإنها تكون شريكةً في انتهاكها. ولهذا فإن المسؤولية الاجتماعية للشركات ليست ترفاً تسويقياً، بل هي واجبٌ قانوني وأخلاقي في آن .
لكن العلاقة بين الاقتصاد وحقوق الإنسان ليست علاقة آلية. فالاقتصاد الذي ينمو بلا حقوق ينمو بلا روح. وكم من دولٍ حققت معدلات نمو مرتفعة، بينما ازدادت فيها الفجوة بين الطبقات، وارتفعت فيها البطالة بين الشباب، وتدهورت فيها الخدمات العامة. هذا النمو ليس تنمية، بل تشويه. والتنمية الحقيقية هي التي تنقل الناس من الفقر إلى الكرامة، لا من الفقر إلى المزيد من الفقر. ولهذا فإن “الاقتصاد القائم على حقوق الإنسان” ليس شعاراً مثالياً، بل هو الضمانة الوحيدة لبقاء التنمية مستدامة، ولأن يكون النمو في خدمة الإنسان، لا أن يكون الإنسان في خدمة النمو
في نهاية المطاف، الاقتصاد وحقوق الإنسان وجهان لحقيقة واحدة: أن كل إنسان يستحق أن يعيش كريماً. فلا حقوق بلا اقتصاد يضمنها، ولا اقتصاد بلا حقوق تحميها. فالطفل الذي يُطعَم ويتعلم ويعيش في بيت آمن، هو في الوقت نفسه طفلٌ محقَّق الحقوق وطفلٌ قادر على أن يصبح منتجاً في الغد. والمجتمع الذي يستثمر في إنسانِه، هو المجتمع الذي يستثمر في مستقبله. وحين يتحول الاقتصاد من أداةٍ لتكديس الثروات إلى وسيلة لضمان الحقوق، فإننا لا نكون قد بنينا اقتصاداً أقوى فحسب، بل بنينا مجتمعاً يتذوق فيه الناس طعم الكرامة، ويعرفون أن الحقوق ليست عطايا، بل هي حقٌّ تستحقه الحياة الكريمة .