الكويت تصدر قانوناً جديداً لتنظيم الإعلام.. إطار موحد للعصر الرقمي

 

التأخي / سلمان شوكه

نشرت الجريدة الرسمية «الكويت اليوم»، في عددها رقم 1811 الصادر بعد منتصف ليل الأحد 4 أكتوبر 2026، المرسوم بقانون رقم 102 لسنة 2026 بإصدار قانون تنظيم الإعلام. يمثل هذا التشريع نقلة نوعية في إعادة هيكلة المنظومة الإعلامية الكويتية، إذ يوحد قواعد العمل في قطاعات كانت تخضع لقوانين منفصلة، ويواكب التحولات الرقمية السريعة التي فرضت واقعاً جديداً على صناعة المحتوى والإعلان .

 

يلغي القانون الجديد ثلاثة تشريعات سابقة: قانون المطبوعات والنشر رقم 3 لسنة 2006، وقانون الإعلام المرئي والمسموع رقم 61 لسنة 2007، وقانون تنظيم الإعلام الإلكتروني رقم 8 لسنة 2016، بالإضافة إلى أي أحكام تتعارض معه. ويدخل حيز التنفيذ بعد ستة أشهر من نشره، أي في أبريل 2027 تقريباً، بينما يُكلف الوزير المختص بإصدار اللائحة التنفيذية خلال الأشهر الستة الأولى، تليها فترة مماثلة لأصحاب الأنشطة القائمة لتوفيق أوضاعهم، وإلا تُلغى تراخيصهم .

يمتد نطاق القانون ليشمل الصحف والمطبوعات، والإعلام المرئي والمسموع، وخدمات البث وإعادة البث، والمواقع الإلكترونية الإخبارية، ووكالات الأنباء، والمراسلين الأجانب والعرب، وشركات الإنتاج الفني والسينما، والحفلات الفنية والموسيقية، والإعلانات. الأهم أنه يدرج لأول مرة بشكل صريح أنشطة الدعاية والإعلان عبر منصات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك المؤثرين وصناع المحتوى .

يُعرف القانون المؤثر بأنه الشخص الذي يمارس أنشطة مهنية أو تجارية تشمل إنشاء أو إنتاج أو نشر أو بث محتوى إعلامي أو إعلاني أو ترويجي للجمهور، وفقاً لمعايير تحددها اللائحة التنفيذية. يُلزم الداعين والمعلنين – مواطنين أو مقيمين أو زائرين – بالحصول على ترخيص إذا استهدف محتواهم جمهوراً داخل الكويت، سواء كان بمقابل أو بدونه. مدة الترخيص سنتان قابلة للتجديد، ويُبت في الطلب خلال 60 يوماً، ويُعتبر مقبولاً إذا لم يصدر قرار خلالها .

يحدد القانون 15 معياراً للمحتوى الإعلامي، تركز على احترام القيم الدينية والوطنية، والنظام العام والآداب، وخصوصية الأفراد والأطفال، والدقة، ومنع المعلومات الكاذبة أو المضللة. من أبرز المحظورات: الإساءة إلى الذات الإلهية أو القرآن أو الصحابة أو الأديان السماوية، وانتقاد أو إهانة أمير البلاد أو نظام الحكم، والإضرار بالعلاقات الخارجية، وإثارة النعرات الطائفية أو القبلية، والتحريض على العنف والكراهية، وانتهاك الخصوصية، ونشر محتوى يعرض الأطفال للاستغلال .

 

يُحظر أيضاً نسبة أقوال أو أفعال إلى الأمير أو ولي العهد دون إذن كتابي خاص من الديوان الأميري أو ديوان ولي العهد. وفي المقابل، يلغي القانون الرقابة المسبقة على الأنشطة الإعلامية والكتب المعروضة في معارض الكتاب الرسمية، مع الإبقاء عليها لبعض الحالات مثل عرض الأفلام والكتب غير الدورية المطبوعة محلياً.العقوبات والإفصاح الإعلانيتصل غرامات مخالفات مثل نشر إعلانات أو دعاية دون ترخيص، أو عدم الإفصاح عن الطبيعة الإعلانية للمحتوى، أو نشر إعلانات مضللة، إلى 50 ألف دينار كويتي .

وتشمل الجزاءات الإدارية التنبيه أو الإنذار أو سحب الترخيص لمدة تصل إلى ستة أشهر قابلة للتجديد. يُلزم القانون بالإفصاح الصريح عن المواد الدعائية، ويضع ضوابط للمراجعات والمسابقات والهدايا، واستخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى، وحماية المستهلكين والأطفال .

ويأتي القانون استجابة لفجوات تشريعية نتجت عن التطور التكنولوجي السريع، حيث لم تكن القوانين السابقة تغطي بشكل كافٍ منصات التواصل وصناعة المحتوى الرقمي. وصفته المذكرة الإيضاحية بأنه «نقلة نوعية شاملة» لإعادة هيكلة المنظومة وتحديثها. وأكد وزير الدولة لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والوزير بالوكالة للإعلام والثقافة عمر العمر أنه يمثل خطوة مهمة في تطوير التشريعات، ويوازن بين حماية الحريات والحقوق والمسؤولية المهنية، ويشجع الاستثمار والابتكار .

ورحبت جمعية الصحفيين الكويتية بالإطار الجديد، معتبرة إياه خطوة إيجابية نحو تطوير القطاع. ومع ذلك، يثير القانون نقاشات حول تأثيره على حرية التعبير، خاصة مع تضمين المؤثرين الذين أصبحوا قوة مؤثرة في الرأي العام. يرى مؤيدون أنه يوفر وضوحاً قانونياً ويحمي المجتمع من المحتوى المضلل، بينما يحذر آخرون من أن التراخيص والغرامات قد تحد من الإبداع إذا طُبقت بصرامة مفرطة .

 

ومع إصدار اللائحة التنفيذية، ستتضح تفاصيل الترخيص للمؤثرين والمعايير الدقيقة. من المتوقع أن يدفع القانون صناع المحتوى نحو الاحترافية والإفصاح الشفاف، ويعزز بيئة إعلامية أكثر تنظيماً. كما قد يشجع على الاستثمار في الإعلام الرقمي مع وجود إطار قانوني مستقر. في الوقت نفسه، يتطلب نجاحه حواراً مستمراً بين الجهات الحكومية والمؤسسات الإعلامية والمهنيين لضمان تطبيقه بشكل متوازن .

قد يعجبك ايضا
∧