م . م. كوثر عباس
في الوقت الذي يتغنى فيه العالم بالتحول الرقمي وسهولة الوصول إلى المعلومات، تقف المؤسسات الإعلامية أمام أزمة صامتة قد تحدد مستقبل الذاكرة التاريخية للشعوب، وهي أزمة “اندثار الأرشيف الرقمي”. لقد انتقلت الصحافة من الحبر والورق إلى السحابة الإلكترونية، لكن هذا الانتقال لم يكن آمناً بالقدر الذي نتخيله .
في الصحافة التقليدية، كانت الأعداد المطبوعة تُحفظ في المكتبات الوطنية والمؤسسات الإعلامية لعقود طويلة، تعود إليها الأجيال للتحقق من الأحداث وفهم التحولات السياسية والاجتماعية. أما اليوم، ومع إغلاق المنصات الرقمية، أو تحديث أنظمة إدارة المحتوى(CMS)، أو حتى تغيير ملكية المواقع الإخبارية، تضيع آلاف المقالات والتحقيقات الصحفية بنقرة زر، دون أن يترك ذلك أي أثر .
إن “صحافة الأرشيف المجهول” تطرح إشكالية مهنية وأخلاقية بالغة الخطورة؛ فالخبر الصحفي ليس مجرد مادة للاستهلاك اليومي، بل هو وثيقة تاريخية. وعندما تتلاشى هذه الوثائق من الفضاء الرقمي، نصبح أمام مجتمعات بلا ذاكرة إعلامية مُوثقة، مما يسهل إعادة كتابة التاريخ أو تحريفه وفق الأهواء .
إن المسؤولية اليوم لا تقع فقط على عاتق الصحفي في كتابة المادة، بل على المؤسسات الإعلامية في تبني استراتيجيات حفظ رقمي مستدامة (Digital Preservation). يجب أن تعي وسائل الإعلام أن الرقمنة لا تعني الحفظ الأبدي ما لم ترفق بآليات توثيق صارمة تحمي النتاج الصحفي من أخطاء التقنية وتحولات السوق .
إن الحفاظ على الأرشيف الصحفي الرقمي ليس مجرد رفاهية توثيقية، بل هو حائط الصد الأخير لحماية الحقيقة، وضمان حق الأجيال القادمة في الوصول إلى معرفة تاريخية مجردة وموثوقة .