دلزار اسماعيل رسول
الجزء التاسع و الخمسون
شغف الانتظار…
في هدوء ذلك الصباح …وسط زحام العابرين وانتظار الحافلة، لم تكوني مجرد امرأة تجلس هناك، بل كنت أميرةً يحيط بها النور، تلتفّ نحوها الأنظار استغراباً وإعجاباً… كان الجميع حولي مشدوهين بنورٍ يعبر المكان، يرتقبون سِرّ تلك اللحظة الاستثنائية التي لا يُتقن كتمانها قلبٌ مسّه الحب…
لم تكتفي بالجلوس كباقي العابرين، بل أشرقتِ في المدى كأنكِ البدرُ حين يكتمل؛ تلتفّ حول جمالكِ الهادئ نظراتُ الذهول، وتسعى العيونُ لاستراق اللفتات من سيماء سحركِ الناعم، وكأنكِ سرٌّ من أسرار الورد …
كنت اتأمل حياءَكِ الطاغي… كيف يتخفّى خلف لمساتِ يديكِ الرقيقتين …وكيف يستحوذ على الحواسّ سحرُ ابتسامتكِ الخجول…كانت ارتعاشةُ يديكِ لغةً بليغةً بلا حروف… واعترافاً صامتاً يروي قصةَ حنينٍ أذاب المسافات… ومع كل رجفةٍ خفيفةٍ كانت تسري من كفّكِ… كنت امسك يديكِ برفق، لكي أطوّقها بحناني وأغمرها بدفئي، لأحتوي ذلك النبض المتسارع، ولأهمس لروحكِ بصمتِ هنا أمانكِ… وهنا موطنكِ الذي لا يزول…
كان السكونُ ينسابُ في أرجاء المكان كسرٍّ غامض، وكان الوقتُ يتباطأ في انتظار الحافلة، حتى أشرقتِ أنتِ… فتبدّل وجهُ الصباح …لم تكوني مجرد راكبة في حافلةٍ تعبر، ولا وجهاً تروح وتجيء، بل كنتِ فيضاً من البهاءِ ينسكبُ في زحام العابرين، فتتسمّرُ نحوكِ العيون، وتتطلعُ إليكِ أفئدةٌ أرهقها البحثُ عن الجمال…
كنت أقرأُ في عينيكِ كتاباً من الحنان لم يفهمه أحدٌ غيري… لو تعلمين كم هي ثمنيةٌ هذه اللحظات المتوجة بالدهشة والاشتياق…لذلك كنت احاول أن لا اضيع الوقت…فكل ثانية معك كان لها عبقها الخاص…ليتني أستطيع أن أوقف الزمن عند ذلك الصباح …لأعيش نبضكِ الرقيق ولحظتكِ المفعمة بالحياة… بقية عمري…
كنت أرقبُ بجوارك كيف تسكنُ فيكِ رقةُ الكون، وكيف تحاولين في حياءٍ عذب أن تُداري بهجةَ اللقاء، فتداعبُ أطرافُ بنانكِ خصلاتِ الشعر المتمردة مع كل هبة نسيم… أيا ساحرةَ اللفتات… أَيُعْقَلُ لقلبٍ ذاقَ حلاوةَ الشغف لأول مرة أن يكتمَ ضياءَه… لقد كان الآخرون يرون فيكِ حسناً يُدهش البصر، أما أنا فكنتُ أغوصُ في كُنهِ روحكِ، أقرأُ في سكونكِ قصيدةً لا يفهمُ وزنَها ولا يفَكّ رموزَها إلا قلبٌ وُهِبَ لِعِشْقِكِ…
لو تعلمين كم هي ثمنيةٌ هذه اللحظات المتوجة بالدهشة والاشتياق… كنت بين فترة وأخرى انظر إليكِ نظرة خجولة…لقد علمت وقتها انك الروحَ التي أكملت وجودي…
عيناكِ.. مَنَارَتَانِ من نور، بلورتان تصبان في ظلامِ الحيرةِ صفاءً وأماناً… لم تكن نظراتي إليكِ إلا مبايعةً لعرشِ هذا الجمال، واستسلاماً لدفءٍ يُعيد ترتيب أوراق العمر… لقد جرفتني رؤيتكِ إلى طفولةِ الشعور الأولى؛ يومَ كان القلبُ غضّاً لا يعرفُ كيف يُحب، حتى علّمتهِ عيناكِ كيف يبتدئُ الحياة…
وحين مضيتِ… في تؤدةٍ ورفق، لم تتركين خلفكِ ظِلاً راحلاً، بل خلّفتِ في المدى ضوعَ مسكٍ ونبضاً لا يتوقف عن المناداة… لم يكن عبوركِ نهايتها، بل كان افتتاحيةً لعهدٍ جديد صاغتهُ أسرارُ عيونكِ في تلك اللحظة… لتبقى ذكراكِ نشوةً يتلذذُ بها الخاطر، ولهفةً لا ترتوي، وسرّاً جميلاً نعيشه كلما حنّ المساء…
لم يكن عبوركِ في حياتي مجرد قدر محتوم، بل كان إشارةَ البدء لقصيدةٍ لم تُكتب بعد، صاغتها عيناكِ الشاهدتان في أولى لحظات اللقاء… لتبقى روعةُ تلك اللفتة خالدةً في خاطري إلى الأبد…