د.أميمة منير جادو
والفجر وليال عشر..قسم عظيم اقسم به رب العزة.
ومع ذلك لم تكن تخاف من الظلام.
كانت تخاف من الفجر.
فالفجر عندها لم يكن بداية يوم جديد، ولا سكينة تتنزل مع أول خيط من الضوء، ولا انسلاخ الخيط الابيض من الاسود ممهدا لشروق وأمل..
وإنما كان الفجر موعدًا ثابتًا لذكرى لا تنساها ابدا ، مهما كبرت، ومهما ابتعدت عن البيت.ومهما سافرت ونجحت.
ذكرى بعيدة منذ صباها ..
كانت أمها تفتح النافذة قبيل الأذان.
تقف أمامها بثوب نومها، وتكشف شعرها متضرعة إلى الله، والبرد يتسلل إلى الغرفة، ثم ترفع يديها إلى السماء.
وحين يعلو صوت المؤذن من المسجد القريب:
(الله أكبر… الله أكبر…)
كانت الأم تبدأ دعاءها.
— يا رب، ما تفرحش…أبدا
— يا رب، ما توفقهاش…
— يا رب، مهما تعلى ومهما تنجح توجع قلبها كما وجعت قلبي..لا تتهنى ولا تفرح..
كانت دعوتها قاسية بلا رحمة ..و كلماتها تخرج من صدرها كأنها تنتزعها انتزاعًا.
لا غضبًا عابرًا…بل بوجع.
بوجعٍ كان يرعب ابنتها أكثر من الشتائم نفسها.
كانت الفتاة تختبئ تحت الغطاء، وتشدّه فوق رأسها، وتحبس أنفاسها..لا تريد ان تسمع دعوات امها عليها لا..لها..والغريب انها لم تكن تفهم سر هذا الدعاء بين الحين والآخر..تتساءل : ماذا فعلت ما جريمتي..هي في نفسها فتاة مهذبة مرباة تعرف العيب وبارة بأبويها ومحبة لأخوتها.وهم أصغر منها جميعا..تؤثرهم بمحبة وعطف.
أما الأب فكان ينهض من فراشه مذعورًا، ويقترب من النافذة.
— اتقي الله!
لا تلتفت إليه.
— دي ساعة فجر… أبواب السما مفتوحة. حرام عليكِ! هي عملت لكِ إيه عشان تدعي عليها بالدعاء ده كله؟
فترد الأم، وهي تمسح دمعة ساخنة بطرف يدها:
— خلي قلبها يتوجع زي ما قلبي بيتوجع.
كان الأب يسأل : لماذا ؟ ماذا فعلت ؟ كل هذا لأنها تهتم بدروسها والقراءة وتغيب عنك قليلا لأنها مركزة في علومها..فلتفرحي بها ..إنها نجيبة بدلا من أن تدعي لها وتشجعينها..ثم يسكت بلا حول ولا قوة ويرربت على بكريته الاثيرة بحنو بالغ ومحبة محاولا تخفيف حزنها من آثار دعوات أمها الفجرية
وكانت الفتاة تتمنى لو يستطيع أن يسكت السماء أيضًا.
لكن الأذان كان يواصل صعوده في الفجر:
الله أكبر… الله أكبر…
وكانت دعوة أمها تصعد معه.
منذ ذلك الصباح، صار نجاحها نفسه مخيفًا.
كلما فرحت بشيء، خافت أن تفقده.
كلما حصلت على شهادة، أو حققت نجاحًا في عملها، أو أثنى عليها أحد، تسلل إلى قلبها صوت قديم:
«يا رب ما تفرحيش…» وقد يتواكب مع الفرح ما يسرقه منها ؛ فتقول في سرها:
«أ هذه دعوة أمي؟»
ثم تستغفر.
فهي لم تكن قد آذت أمها.
لم تعقها أبدا ؛ لم تهجرها. ..لم تكن فتاة سيئة.
كانت فتاة صغيرة مجتهدة في دروسها عاشقة للقراءة ؛ لم تعرف كيف ترضي امرأة ؛ هي امها ؛ لا يبدو أن شيئًا يرضيها.
كانت المشكلة تبدأ أحيانًا من قدر بطاطس.
لم تكن تعرف يومها أن البطاطس المحمرة يمكن أن تصبح جريمة.
كانت في طفولتها تقف أمام أمها في المطبخ، فأمرتها:
— روحي اطفي على البطاطس.
أسرعت الفتاة إلى الموقد.
كانت البطاطس قد نضجت، والزيت يغلي حول أصابعها الذهبية.
أطفأت النار. كما امرتها امها..ثم خرجت.
كانت تظن أنها فعلت ما طلبته أمها.
لكنها لم تكن تعرف أن ترك البطاطس في الزيت الساخن، بعد إطفاء النار، يجعلها تظل مغمورة فيه، فتتشرب الزيت حتى تثقل وتفسد.
بعد قليل دخلت الأم…نظرت إلى المقلاة…ثم صرخت:
— ما هذا ؟!
جاءت الفتاة مسرعة.
— أنا أطفأت النار كما قلتِ لي.
— طفيتيها وسيبتي البطاطس في الزيت؟!
— لا أعرف….ولم تكمل.
كان صوت الأم قد تحول إلى شيء آخر.
شيء لا يشبه صوت الأم.
كانت تصرخ وتضربها، والطفلة لا تفهم.
«لماذا؟»
هذه الكلمة كانت كل ما يدور في رأسها.
لم تكن تتعمد الخطأ.
لم تكن تعرف…لم يكن أحد قد علّمها.
لكنها تعلمت يومها درسًا لم يكن ينبغي لطفلة أن تتعلمه:
أن الخطأ قد يجعل البيت كله ينقلب عليك.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد تخاف من الخطأ نفسه.
كانت تخاف من أمها إذا أخطأت.
كانت الكتب ملجأها وملاذها بعد الله ..
كانت مولعة بالقراءة.
كلما ضاق البيت عليها، فتحت كتابًا، واختفت.
لم تكن تقرأ فقط…كانت تسافر.
تدخل قرية لا تعرفها، وتصادق أناسًا لم ترهم، وتبكي مع بطلة لا وجود لها إلا على الورق، ثم تعود إلى بيتها وقد اتسعت الدنيا قليلًا.
وكانت أمها ترى في الكتاب عدوًا كبيرا يشغلها عن شغل البيت ؛
ذات يوم انتزعت الكتاب من يدها بعنف وقالت:
— الكتب دي هتضيّعك.
تشبثت الفتاة به.
— لكن أنا أحب القراءة.
— كل ما أنادي عليكِ لا تسمعي..لا تردي.
— أنا آسفة… ما خدتش بالي.
اقتربت الأم منها:
— كل مرة ما ترديش عليّ وإنتِ ماسكة كتاب، همزق لك اللي في إيدك.
تدخل الأب.
— لا. الكتب دي ما تترميش.
التفتت إليه.
— وإنت مالك؟
— دي بنتك. سيبيها تتعلم. هو العلم بقى ذنب؟
ثم نظر إلى ابنته:
— القراءة مش عيب. دي بتبني عقلها.
لم تجبه الأم… لكنها لم تنسَ..تكره دعم ابيها لها وتشجيعه .
كانت الفتاة قد تعلمت حيلة صغيرة للنجاة.
الحمّام.
حين يهدأ البيت قليلًا، كانت تحمل كتابها وتدخل الحمام، وتغلق الباب، ثم تجلس على طرف الحوض وتقرأ.
كانت تقرأ في الضوء الضئيل، والساعات تمضي.صفحة.ثم أخرى.ثم أخرى.
وكان العالم خارج الباب يناديها…فتظل ساكنة.
لم تكن تتمرد.
كانت فقط تريد أن تملك شيئًا لا تستطيع أمها أن تنتزعه منها:
عقلها.
وفي يوم دخلت الأم الغرفة فوجدت الكتاب في يدها.
خطفته منها.
قالت الفتاة:
— ماما، بالله عليكِ، رجعيه لي.
نظرت الأم إلى الكتاب.
ثم إلى ابنتها.
ومزقته.
تمزق الغلاف أولًا.
ثم الصفحات.
صفحة وراء صفحة.
كانت الفتاة تحدق فيها كأنها ترى جسدًا حيًا يُمزق أمامها..كل صفحة تمزقها امها طعنة خنجر في قلبها فيتوجع وتبكي وتتوسل..وصارت الكتب العدو الكبير لأمها.
قالت الأم:
— الكتب اللي لاحسة عقلك دي!
ثم قذفت بقايا الكتاب في وجهها.
— وكل مرة ما ترديش عليّ فيها، هقطع لك اللي في إيدك.
انحنت الفتاة تجمع الأوراق…كانت يدها ترتجف.
أمسكت صفحة نصفها في يدها، ونصفها الآخر تحت قدم أمها…رفعت عينيها إليها..بكت بل نزفت..توسلت لامها تجذب بقايا الكتاب من امها في محاولة لإنقاذ ما يمكن انقاذه..ماكل هذه القسوة يا أمي..غالبها سؤال دائم هل هذه هي أمي أم وجدتني على باب المسجد وربتني كما كانت تحكي ذلك في أيام السمر التي تجمعها بأقاربها..
ولا تعلم كيف كانت ابنتها تستقبل هذه المزحة السخيفة القاتلة ..تعدو لوالدها : صحيح يا بابا ما تقوله ماما ؟
ـيحمر وجهه ويحضنها : ماما بتضحك معاك..ثم ينهر أمها : الم اقل لك لا داعي لهذا الهزار السخيف..ستعقدين البنت.
تضحك الأم..ولا تبالي.
كانت الفتاة تصمت وتفكر ربما لأن شيئًا في داخلها كان قد بدأ يتعلم الصمت.
كبرت…دخلت الجامعة…نجحت .. تخرجت … عملت.
كل خطوة كانت تمشيها إلى الأمام، كانت تحمل معها خوفًا قديمًا.
وحين كان أحد يمدحها، كانت تشعر بالسعادة لحظات.
ثم، فجأة، يطل ذلك الصوت من طفولتها:
«يا رب ما تفرحيش…»
فيمر بها خاطر أسود:
«ماذا لو كانت دعوتها قد سبقت فرحتي؟»
وحين كانت تصيبها مصيبة في حياتها، أو تتعثر في أمر، أو ينكسر قلبها من موقف، كانت تقول:
«هذه دعوة أمي.»
ثم تعود فتقاوم الفكرة: «لكنني لم أعقها.»
كانت تخدمها…تحتملها…تعود إليها…وتخاف عليها.
لم تكن ابنة عاقة أبدا..كانت ابنة مُنهكة.
والفرق بين الاثنين لم يفهمه أحد.
ثم تزوجت..وجاء طفلها.
وفي الليلة الأولى التي حملته فيها، ظل وجهه الصغير بين ذراعيها، وكانت تحدق فيه طويلًا.
لم يكن يعرف الكلام.
لم يكن يعرف الصواب من الخطأ.
لم يكن يعرف كيف يمسك الكوب.
ولا كيف يضع حذاءه.
ولا كيف يجيب حين تناديه أمه.
وفجأة فهمت…فهمت كل شيء.
ليس لأن أمها كانت بلا تعب.
وليس لأن أباها كان ملاكًا.
وليس لأن الحياة كانت سهلة على أمها.
لكن لأن شيئًا ما في داخلها قال:
الطفل لا يحتاج إلى أم لا تخطئ. يحتاج إلى أم لا تجعل خطأه سببًا في كسر قلبه.
بعد شهور، كان طفلها يلعب في الصالة.
مد يده إلى كوب فوق الطاولة…سقط الكوب…وانفجر على الأرض…تجمد الطفل…نظر إليها خائفا..حضنته : لا تخف حبيبي.
كانت في يدها قطعة قماش..مسحت الارض.
ولثانية واحدة…عادت الذكرة ملحة..
سمعت صوتًا قديمًا: «إيه اللي إنت عملته؟!»
ورأت المقلاة…والبطاطس…والزيت…والصفحات الممزقة.
والنافذة المفتوحة عند الفجر.
رأت طفلها يبكي…لم تصرخ. مازالت تحتضنه وتربت عليه…تتفقد يديه..
— تعالَ… إيدك اتعورت؟
هز رأسه…عادت وضمته…وقالت:
—فداك حبيبي الكوباية والف كوباية..سلامتك بالدنيا.
وفي اللحظة نفسها، شعرت أن شيئًا ثقيلًا سقط من صدرها.
لم تصبح أمها فجأة امرأة حنونة.
ظل لسانها قاسيًا.
وظلت الكلمات التي عرفتها في طفولتها تخرج منها.
لكن الابنة لم تعد طفلة.
صارت تعرف أن أمها ربما كانت امرأة موجوعة، وربما حملت من زواجها ومن حياتها ما لم تستطع احتماله.
وربما كانت قد صبّت على أبنائها ما عجزت عن صبه في وجه من آذاها.
لكنها عرفت أيضًا شيئًا آخر:
الوجع يفسر القسوة، لكنه لا يبررها.
وأن الإنسان قد يكون مجروحًا، ثم يختار — دون أن يشعر — أن يورث جرحه لمن بعده.
وهنا كان امتحانها الحقيقي.
هل ترد الجرح بالجرح؟
هل تجعل أمها سببًا في خسارتها دنياها وآخرتها؟
أم تبرها دون أن تسلّم لها قلبها ليكون ميدانًا جديدًا للأذى؟
في إحدى المرات، قالت لها أمها كلامًا قاسيًا.
شعرت بالنار تصعد إلى حلقها.
كادت ترد…ثم سكتت.
لم يكن سكوتها ضعفًا.
كانت هذه المرة تختار.
قالت بهدوء:
— ربنا يهديكِ يا أمي.
ثم خرجت.
وفي الطريق إلى بيتها، بكت.
بكت طويلًا.
لكنها لم تكن تبكي لأنها ضعفت.
كانت تبكي لأنها فهمت أخيرًا أن البر ليس أن تكذب على نفسها فتقول إن الأذى رحمة.
وأن حفظ كرامة الأم لا يقتضي قتل كرامة الابنة.
وأن الصبر لا يعني أن يتحول الإنسان إلى مقبرة لكل ما يؤلمه.
بعد أعوام، وقفت أمام نافذة بيتها عند الفجر.
كان طفلها نائمًا…والمدينة ما تزال غارقة في سكونها.
وفجأة ارتفع صوت المؤذن:
الله أكبر… الله أكبر…
تجمدت…تذكرت أمها….تذكرت النافذة…والشعر المكشوف.
واليدين المرفوعتين إلى السماء.
والدعاء الذي كان يطاردها حتى في أيام نجاحها.
ثم نظرت إلى طفلها النائم.
ورفعت يديها…لكنها لم تدعُ على أمها.
قالت:
— يا رب… اشفِ قلبها مما أوجعها، واشفِ قلبي مما أوجعتني به، ولا تجعلني نسخةً منها…كان الأذان مستمرًا.
الله أكبر… الله أكبر…
وفي تلك اللحظة أدركت أن أكبر انتصار حققته في حياتها لم يكن شهادة، ولا وظيفة، ولا نجاحًا.
كان أن تقف في الفجر نفسه الذي شهد دعاء أمها عليها…
ثم تختار هي ألا تدعو على أحد..كانت تدعو لابنها بالبركة والرزق والنجاح والتقوى ..وعندما رحلت امها ظلت تدعو لها بالرحمة.
بعض الناس يرثون المال…وبعضهم يرثون الاسم..وبعضهم يرثون البيوت…أما هي…فقد ورثت جرحًا..وكان عليها أن تقرر: هل تورثه لابنها؟
أم تكون آخر حلقة في السلسلة؟
——