ثروةٌ تحت الأرض وفقرٌ في إدارة المستقبل

د. محمد صديق خوشناو

هناك دول تملك النفط، وهناك دول تملك مستقبلها. والفرق ليس في حجم الثروة، بل في كيفية إدارتها.

هذا هو جوهر ما تطرحه عالمة السياسة الأمريكية تيري لين كارل في كتابها «مخاطر الدولة النفطية: تأملات في مفارقة الوفرة»؛ فالنفط قد يكون نعمة، لكنه يتحول إلى عبء عندما تستخدم الدولة عائداته لإدارة الحاضر، بدل أن تستثمرها في بناء المستقبل.

وهذه الفكرة تلامس العراق بوضوح. فنحن لا نعاني من قلة الموارد، بل من ضعف قدرتنا على تحويلها إلى إنتاج وتنمية مستدامة.

خلال سنوات عملي في قيادة الجامعات ثم في مجلس النواب، ازداد اقتناعي بأن المشكلة ليست في حجم الإنفاق، وإنما في نتائجه. فالمال يستطيع أن يبني مشروعًا، لكنه لا يبني وحده مؤسسة قوية، ويمكن أن يوفر وظيفة، لكنه لا يصنع اقتصادًا منتجًا.

الحل لا يكمن في مزيد من الشعارات، بل في أهداف واضحة يمكن قياسها:

* خفض الاعتماد على النفط تدريجيًا، وزيادة الإيرادات غير النفطية.
* الحد من التوسع غير المدروس في التوظيف الحكومي، وربط التعيين بالحاجة والكفاءة.
* توجيه جزء ثابت من عائدات النفط إلى الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والبنية التحتية.
* قياس نجاح الإنفاق بعدد فرص العمل والإنتاج والصادرات، لا بحجم الأموال المصروفة.
* ربط الجامعات بسوق العمل، وقياس نجاحها بنسبة توظيف الخريجين والبحوث التطبيقية.
* جعل إصلاح الكهرباء والغاز أولوية اقتصادية، لأن الصناعة لا يمكن أن تنمو بطاقة غير مستقرة.
* إنشاء احتياطي واستثمارات للأجيال المقبلة، بدل تحويل كل ارتفاع في أسعار النفط إلى إنفاق دائم.

لذلك يجب أن يتغير السؤال من:

كم نملك من النفط؟

إلى:

ماذا صنعنا بالنفط الذي نملك؟

فالنفط ثروة مؤقتة، أما الإنسان والمؤسسة والإنتاج فهي الثروة التي تبقى.

وأخطر ما يمكن أن يحدث للعراق ليس أن ينفد النفط، بل أن يبقى النفط لعقود، ولا نستطيع خلال تلك العقود أن نبني اقتصادًا يستطيع العيش من دونه.

الثروة الحقيقية ليست ما تحت الأرض، بل ما ننجح في بنائه فوقها.

قد يعجبك ايضا
∧