شــــريف علي
يصعب قراءة التاريخ السياسي الكوردي الحديث من دون التوقف عند محطتين حملتا اسم أيلول، يفصل بينهما أكثر من نصف قرن، لكنهما تلتقيان في دلالتهما على مستوى الوعي القومي والسياسي الكوردي.
أيلول الثورة عام 1961، وأيلول الاستفتاء عام 2017. وإذا كانت المحطة الأولى قد ارتبطت بالثورة المسلحة التي قادها الزعيم الخالد مصطفى بارزاني في مواجهة الانظمةالعراقية، فإن الثانية ارتبطت بالقرار السياسي الذي اتخذها الرئيس مسعود بارزاني، رئيس إقليم كوردستان آنذاك، بإجراء استفتاء على تقرير المصير والاستقلال. وبين الحدثين مسار طويل من التحولات السياسية والعسكرية والدستورية والاجتماعية، انتقل خلاله المشروع الكوردي في العراق من مرحلة الكفاح المسلح من أجل الاعتراف بالحقوق القومية والحكم الذاتي إلى مرحلة امتلاك مؤسسات إقليمية وإعادة طرح مسألة تقرير المصير عبر صندوق الاقتراع .
بدأت ثورة أيلول في 11 أيلول/سبتمبر 1961 بقيادة الزعيم الخالد مصطفى بارزاني، في سياق سياسي اتسم بتعثر العلاقة بين الحركة الكوردية والحكومة العراقية وفشل محاولات الوصول إلى تسوية تضمن الحقوق القومية للكورد. وتؤكد الدراسات التاريخية أن الثورة أصبحت أحد أهم فصول الحركة السياسية الكوردية في العراق خلال القرن العشرين، وأنها استمرت حتى التوصل إلى اتفاق 11 آذار/مارس 1970 الذي اعترف، للمرة الأولى في إطار رسمي، بجزء أساسي من الحقوق القومية للكورد. كما تشير الدراسات الأكاديمية إلى أن ثورة أيلول لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل أسهمت في إعادة تشكيل الحركة القومية الكوردية وتحويلها إلى حركة سياسية واجتماعية واسعة النطاق.
ومن هنا تبرز أهمية صاحب القرار الأول، الزعيم الخالد مصطفى بارزاني، بوصفه القائد الذي ارتبط اسمه بثورة أيلول وبمرحلة تأسيسية من تاريخ الحركة القومية الكوردية في العراق. فقد قاد الثورة في ظروف شديدة التعقيد، واستطاعت الحركة التي قادها أن تستمر سنوات طويلة في مواجهة الدولة العراقية، وأن تفرض في النهاية الاعتراف بمبدأ الحقوق الكوردية من خلال اتفاق 11 آذار 1970. ، الذي أصبح لاحقاً أحد المرتكزات التاريخية للمسار السياسي الكوردي في العراق.
لكن قيمة أيلول 1961 لا تكمن فقط في نتائجه السياسية المباشرة، وإنما أيضاً في أثره على بناء الوعي الجمعي الكوردي. فقد تحولت الثورة إلى ذاكرة سياسية ورمز للهوية الوطنية، وأصبحت مفردات المقاومة والتنظيم والتضحية والبيشمركة والعلم القومي ( آلا- رنكين )والوحدة الوطنية جزءاً من الخطاب السياسي الكوردي اللاحق. وتظهر الأدبيات الرسمية والسياسية الكوردية اللاحقة أن ثورة أيلول يُنظر إليها باعتبارها تجربة ساعدت على توحيد قطاعات واسعة من المجتمع الكوردي، وأن أثرها تجاوز المجال العسكري إلى بناء تصور سياسي أكثر وضوحاً حول الحقوق القومية والحكم الذاتي .
وبعد أكثر من خمسة عقود، جاء أيلول آخر، ولكن بأداة مختلفة. ففي 7 حزيران/يونيو 2017 دعا الرئيس مسعود بارزاني إلى اجتماع للقوى السياسية الكوردستانية لمناقشة إجراء استفتاء حول استقلال إقليم كوردستان، واتُّفق في ذلك السياق بالإجماع على إجراء الاستفتاء في 25 أيلول/سبتمبر 2017. وتوضح الدراسات الأكاديمية أن قرار الاستفتاء جاء في سياق مركب تداخلت فيه نتائج الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، والخلافات بين أربيل وبغداد، والأزمة السياسية الداخلية في إقليم كوردستان، وتطور وضع المناطق المتنازع عليها.
وهنا تظهرحكمة الرئيس بارزاني بوصفه صاحب القرار السياسي المباشر في تحديد موعد الاستفتاء والدفع باتجاه إجرائه. ففي تصريح رسمي في تموز 2017، أعلن أن شعب كوردستان سيتخذ في 25 أيلول قراره بشأن البقاء ضمن العراق أو الاتجاه نحو الاستقلال، وقدم الاستفتاء باعتباره ممارسة لحق تقرير المصير. كما توثق دراسة أكاديمية اعتمدت على عشرات الخطب والمقابلات والبيانات الصادرة عن الرئيس بارزاني خلال الفترة الممتدة من الإعلان عن الاستفتاء إلى إجرائه، أن خطاب القيادة الكوردية آنذاك ركز على تحويل مسألة الاستقلال إلى قضية مرتبطة بمصير الشعب الكوردي واستراتيجيته السياسية في مواجهة مستقبل العلاقة مع بغداد.
وهكذا تبدو المقارنة بين الرجلين ذات دلالة تاريخية، مع ضرورة عدم إسقاط الفروق بين الزمنين والظروف والأدوات السياسية.فالزعيم الخالد مصطفى بارزاني اتخذ قرار الثورة في بيئة لم تكن فيها مؤسسات إقليمية كوردية تتمتع بالوجود الذي عرفه إقليم كوردستان بعد عام 1991، بينما اتخذ الرئيس مسعود بارزاني قرار الاستفتاء في ظل وجود إقليم يتمتع دستوريا بحكم فيدرالي واسع ومؤسسات سياسية وبرلمان وحكومة وقوات بيشمركة وعلاقات خارجية متشعبة. لذلك فإن أيلول الأول كان أيلول البندقية والثورة المسلحة، في حين كان أيلول الثاني أيلول صندوق الاقتراع والتعبير الشعبي المباشر. ومع ذلك، فإن المقارنة بينهما تكشف انتقالاً مهماً في أدوات الحركة السياسية الكوردية من الصراع المسلح إلى توظيف الوسائل السياسية والدستورية والاستفتاء الشعبي.
ولا يعني هذا الانتقال أن الاستفتاء كان نتيجة آلية أو حتمية مباشرة لثورة أيلول، فالدراسات التي تناولت دوافع استفتاء 2017 تؤكد وجود عوامل متعددة ساهمت في تحديد توقيته، من بينها الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، والتطورات السياسية الداخلية في الإقليم، والخلافات مع بغداد، ووضع المناطق المتنازع عليها. لذلك فإن الربط بين الحدثين ينبغي أن يكون في مستوى التاريخ السياسي والذاكرة الوطنية وتطور أدوات المطالبة بالحقوق، لا في صورة علاقة سببية بسيطة ومباشرة.
وفي 25 أيلول/سبتمبر 2017 جرى الاستفتاء بالفعل، وطرح على الناخبين سؤال ما إذا كانوا يريدون أن تصبح منطقة كوردستان والمناطق الكوردستانية خارج إدارة الإقليم دولة مستقلة. وتشير الدراسات الميدانية والأكاديمية إلى أن التصويت شمل محافظات الإقليم ومناطق متنازعاً عليها، وأن نتيجة التصويت أظهرت أغلبية كبيرة لصالح خيار «نعم». حيث أن نسبة التصويت بـ«نعم» بلغت 92.73%.
غير أن المسار الذي أعقب الاستفتاء أظهر الفرق بين امتلاك الإرادة الشعبية والتوصل إلى قيام دولة مستقلة. فالاستفتاء لم يتحول إلى إعلان استقلال ناجز، وواجه رفضاً من بغداد وضغوطاً إقليمية ودولية، كما ارتبطت تداعياته بأحداث سياسية وعسكرية لاحقة. ولذلك فإن القيمة التاريخية للاستفتاء لا ينبغي اختزالها في نتيجته الإجرائية أو في عدم تحولها الفوري إلى دولة، بل يمكن دراستها باعتبارها محطة في تطور فكرة تقرير المصير داخل الحركة السياسية الكوردية ليس في العراق وحده بل في باقي أجزاء كوردستان . أن الاستفتاء كان جزءاً من صراع أوسع حول طبيعة الدولة العراقية، ومستقبل إقليم كوردستان، وحدوده الجغرافية، وإمكان الانتقال من الفيدرالية إلى الاستقلال.
ومن هذه الزاوية، فإن «أيلول الثورة» و«أيلول الاستفتاء» يمكن قراءتهما بوصفهما علامتين زمنيتين في تطور المشروع السياسي الكوردي. الأول عبّر عن مرحلة كان فيها إثبات الوجود السياسي والقومي يتطلب مواجهة عسكرية طويلة، بينما عبّر الثاني عن مرحلة أصبح فيها هذا الوجود منظماً ضمن مؤسسات إقليمية تسمح باستخدام أداة الاستفتاء للتعبير عن خيار سياسي يتعلق بالمستقبل. وبين التاريخين امتدت مسيرة طويلة من الصراع والتفاوض والانتفاضات والاتفاقات والانهيارات وإعادة البناء، وصولاً إلى صياغة النظام الفيدرالي في العراق بعد 2003.
ولذلك فإن استحضار اسمَي مصطفى بارزاني ومسعود بارزاني عند الحديث عن أيلولين مختلفين لا ينبغي أن يكون مجرد استحضار رمزي لشخصيتين سياسيتين، بل ينبغي أن يُقرأ في إطار اختلاف طبيعة القرار الذي اتخذه كل منهما. فالزعيم الخالد مصطفى بارزاني ارتبط بقرار إطلاق ثورة مسلحة في 11 أيلول 1961، بينما ارتبط الرئيس مسعود بارزاني بقرار سياسي بإجراء استفتاء في 25 أيلول 2017. وفي الحالتين كان السؤال المركزي متعلقاً بمستقبل العلاقة بين الشعب الكوردي والدولة العراقية، لكن أدوات التعبير عن هذا السؤال اختلفت جذرياً بين المرحلتين.
لقد أصبحت المسافة بين 11 أيلول 1961 و25 أيلول 2017 أكثر من مجرد مسافة زمنية؛ إنها مسافة تعكس تحولاً في طبيعة الفعل السياسي الكوردي نفسه. ففي أيلول الأول كانت الثورة وسيلة لإجبار الدولة على الاعتراف بالحقوق، وفي أيلول الثاني كان الاستفتاء وسيلة لإظهار إرادة شعبية بشأن المستقبل السياسي. وإذا كانت ثورة أيلول بقيادة الزعيم الخالد مصطفى بارزاني قد انتهت إلى اتفاق 11 آذار 1970، فإن استفتاء أيلول بقي محطة مفتوحة في تاريخ القضية الكوردية، لا باعتباره نهاية الطريق، وإنما باعتباره تعبيراً عن مرحلة متقدمة في تطور فكرة تقرير المصير.
ومن ثم يمكن النظر إلى «أيلول الثورة» و«أيلول الاستفتاء» باعتبارهما حلقتين في تاريخ سياسي طويل، تختلفان في الأدوات والسياقات والنتائج، لكنهما تلتقيان في مركزية سؤال الحقوق والهوية والمستقبل السياسي للكورد في العراق. وفي هذا السياق، يظل الزعيم الخالد مصطفى بارزاني صاحب القرار التاريخي المرتبط بثورة أيلول 1961، والرئيس مسعود بارزاني صاحب القرار السياسي المرتبط باستفتاء 25 أيلول 2017 وبين القائدين يمتد تاريخ جيلين وتجربتين، انتقلت خلالهما الحركة الكوردية من الثورة المسلحة إلى المؤسسات، ومن المطالبة بالحقوق إلى طرح سؤال تقرير المصير عبر التصويت الشعبي. وهذه المقارنة، إذا ما قُرئت بعيداً عن التقديس السياسي أو الاختزال الأيديولوجي، تكشف أحد أهم التحولات في تاريخ الحركة القومية الكوردية خلال النصف الثاني من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين.