من منطق انتزاع الحق إلى فلسفة الوفاء به: نحو تأسيس جديد للسلم والأمن الدوليين

مقدمة

في الثاني والعشرين من أيلول/سبتمبر 2026، تجتمع دول العالم في نيويورك في إطار المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، في ظل حروب وأزمات جيوسياسية وتراجع في الثقة بالمؤسسات الدولية، بما يفرض إعادة التفكير في مستقبل النظام الدولي.

غير أن السؤال الأعمق الذي يسبق أي نقاش حول إصلاح المؤسسات الدولية هو سؤال فلسفي: كيف ينبغي أن نفكر في الحق داخل المجتمع الدولي؟

لقد اعتاد الفكر السياسي، عبر مراحل طويلة من التاريخ، أن ينظر إلى الحق من زاوية المطالبة به وانتزاعه، وكأن القاعدة غير المعلنة هي أن من أراد حقه فعليه أن يمتلك القوة التي تمكنه من الحصول عليه. وفي هذه الرؤية يصبح الحق موضوعاً للصراع، والقوة وسيلة لإثباته، ويغدو السلام في كثير من الأحيان نتيجة مؤقتة لتوازن القوى.

لكن هل يستطيع العالم أن يبني سلاماً دائماً إذا ظل الحق مرتبطاً بقدرة صاحبه على انتزاعه؟

ربما تكمن الحاجة اليوم في الانتقال من سؤال:

كيف أنتزع حقي؟

إلى سؤال أكثر عمقاً:

كيف أوفي بحق الآخر قبل أن يضطر إلى المطالبة به؟

وهذه ليست مجرد إعادة صياغة لغوية، وإنما محاولة للانتقال من فلسفة الحق بوصفه موضوعاً للمطالبة إلى فلسفة الحق بوصفه موضوعاً للوفاء والاحترام.

المحور الأول: من الحق بوصفه مطالبة إلى الحق بوصفه التزاماً

يمكن فهم هذا التحول من خلال ثلاث محطات فلسفية مترابطة: كانط، ورولز، وهابرماس.

فعند كانط، لا يقوم احترام الحق على الخوف من قوة الآخر، وإنما على الاعتراف به بوصفه إنساناً حراً وصاحب حق. وعند رولز، تنتقل المسألة إلى المستوى المؤسسي، حيث تحمي الحقوق مؤسسات وقواعد عادلة، لا قدرة الفرد على انتزاعها بالقوة. أما هابرماس، فيربط الحقوق بالاعتراف المتبادل والحوار العقلاني الذي يؤسس للشرعية.

ومن هنا، تختزن عبارة «الحقوق تُؤخذ ولا تُعطى» خبرة تاريخية مهمة، لكنها تصبح إشكالية إذا تحولت إلى قاعدة دائمة؛ لأن جعل القوة شرطاً للحصول على الحق يجعل العلاقات قائمة على موازين القوة لا على سيادة القانون.

فالحق ليس منحة من الأقوى إلى الأضعف؛ فإذا كان لـ«أ» حق على «ب»، فإن «ب» لا ينشئ هذا الحق، وإنما يفي بالواجب المقابل له.

لذلك، ينبغي أن ينتقل التفكير من سؤال:

«كيف أحصل على حقي؟»

إلى سؤال أكثر تأسيساً:

«ما الذي يلزمني تجاه حق الآخر؟»

فكل حق يقابله واجب، ولا يكتمل الاعتراف بالحقوق إلا بتحويله إلى التزام متبادل وممارسة مؤسسية. ومن ثم، فإن رقي النظام القانوني لا يقاس فقط بعدد الحقوق التي يعلنها، بل بقدرته على جعل احترام الحق والوفاء به سابقين على النزاع حوله.

المحور الثاني: الشعوب بين انتزاع الحق وبناء السلام

تكشف التجارب التاريخية للشعوب عن الفجوة بين الحق بوصفه استحقاقاً والحق بوصفه واقعاً سياسياً وقانونياً.

فالتجربة الكردية، والقضية الفلسطينية، وتجربة إقليم الباسك، وكوسوفو، والبوسنة والهرسك، رغم اختلاف ظروفها وطبيعتها القانونية والتاريخية، تلتقي عند سؤال جوهري: ماذا يحدث عندما لا يجد الحق طريقاً مستقراً إلى الاعتراف والضمان؟

في الحالة الكردية، تكشف التجربة العراقية الحديثة أهمية انتقال بعض المطالب القومية من مجال الصراع السياسي إلى مجال الاعتراف الدستوري والمؤسسي، ولا سيما مع الاعتراف بإقليم كردستان كإقليم اتحادي في دستور العراق لعام 2005.

وفي الحالة الفلسطينية، تتجسد بصورة أكثر حدة مشكلة الفجوة بين الاعتراف بالمبادئ القانونية وبين تحققها الفعلي. فقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري لعام 2024 حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، بما يعيد طرح السؤال حول المسافة بين إقرار الحق والوفاء بمقتضاه.

أما تجربة الباسك، فتظهر إمكانية انتقال جزء من المطالب المرتبطة بالهوية والحكم الذاتي إلى إطار دستوري ومؤسسي، بما يتيح تحويل بعض عناصر الصراع من مجال المواجهة إلى مجال التفاوض والمؤسسات.

وفي كوسوفو، تكشف التجربة عن التعقيد الشديد للعلاقة بين تقرير المصير والسيادة والسلامة الإقليمية، وعن النتائج التي يمكن أن تنشأ عندما تفشل التسويات السياسية في احتواء النزاع حول الحقوق.

أما البوسنة والهرسك، فتقدم درساً آخر: إن إنهاء الحرب لا يعني بالضرورة اكتمال السلام، إذ احتاجت التسوية إلى ترتيبات دستورية وسياسية وآليات دولية لتنفيذها وحماية نتائجها.

ولا ينبغي، بطبيعة الحال، مساواة هذه الحالات أو اعتبارها نماذج متطابقة؛ فلكل واحدة منها سياقها القانوني والتاريخي والسياسي. لكنها، مجتمعة، تطرح سؤالاً واحداً:

هل يستطيع القانون والمؤسسات أن يحولا الحق من موضوع للصراع إلى موضوع للاعتراف والضمان والوفاء؟

إن جوهر السلام ليس منع أصحاب الحقوق من المطالبة بها، وإنما بناء نظام لا يضطرهم إلى استخدام القوة كي تصبح حقوقهم معترفاً بها ومضمونة.

المحور الثالث: من توازن القوة إلى أخلاق الوفاء بالحق

حاول النظام الدولي الحديث، منذ إنشاء الأمم المتحدة، أن ينتقل بالعلاقات بين الدول من منطق القوة المنفردة إلى منطق القانون والالتزام. ويعكس ميثاق الأمم المتحدة هذا التحول من خلال التأكيد على المساواة في السيادة، وتسوية المنازعات بالوسائل السلمية، وتنفيذ الالتزامات بحسن نية، والامتناع عن التهديد بالقوة أو استخدامها بما يتعارض مع مقاصد المنظمة.

لكن المشكلة ليست دائماً في غياب القاعدة، بل في الفجوة بين القاعدة والإرادة اللازمة لاحترامها.

فالقانون الدولي يستطيع أن يحدد ما ينبغي فعله، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية ومؤسسات قادرة على تحويل «ينبغي» إلى «يجب»، ثم تحويل «يجب» إلى ممارسة.

وهنا تظهر الحاجة إلى تحول أعمق في فلسفة النظام الدولي: من اعتبار احترام حق الآخر تنازلاً عن المصلحة، إلى إدراك أن حق الآخر جزء من شروط استقرار مصلحتي نفسها.

فالسيادة لا تستقيم إذا كانت حقاً لدولة وامتيازاً لدولة أخرى، وتقرير المصير لا يمكن أن يكون مبدأً انتقائياً، وحقوق الإنسان لا يمكن أن تصبح معياراً يتغير بتغير هوية صاحب الحق.

ومن ثم، فإن السلم الدولي المستدام لا يقوم على توازن القوة وحده، وإنما على توازن الالتزام؛ أي أن يدرك كل طرف أن حقوقه لا يمكن أن تكون مستقرة إلا إذا أصبح احترام حقوق الآخرين قاعدة مشتركة.

وهنا يمكن صياغة الفكرة الأساسية:

«ليس السلام أن يمتلك كل طرف القوة الكافية لانتزاع حقه، بل أن يمتلك النظام الدولي من الشرعية والمؤسسات ما يجعل الوفاء بالحق أقوى من الحاجة إلى انتزاعه.»

خاتمة

ربما لا يحتاج النظام الدولي اليوم إلى قاعدة قانونية جديدة بقدر ما يحتاج إلى تحول في طريقة التفكير في الحق.

فقد عاشت البشرية طويلاً في ظل فكرة أن الحق لا يصبح نافذاً إلا إذا استطاع صاحبه انتزاعه بالقوة. وقد تكون هذه الفكرة مفهومة في تاريخ الصراعات، لكنها لا تصلح أساساً لعالم يسعى إلى تجاوز الحرب؛ إذ إن جعل القوة شرطاً للحصول على الحق يعني أن يبقى العالم محكوماً بمنطق القوة، ولو تحدث بلغة القانون.

أما التحول الحضاري الحقيقي، فيبدأ حين يصبح احترام حق الآخر واجباً قبل أن يكون مطالبة، والوفاء به سابقاً على النزاع حوله. فالمسألة ليست في وجود القوة أو غيابها، وإنما في سؤال أعمق:

هل تخضع القوة للحق، أم يخضع الحق للقوة؟

ومن هنا، فإن عبارة «الحقوق تُؤخذ ولا تُعطى» قد تكون وصفاً لمرحلة من التاريخ، لكنها لا ينبغي أن تكون قاعدة لمستقبل الإنسانية. فالقاعدة الأرقى هي:

«الحقوق لا تحتاج إلى أن تُنتزع، حين يصبح الوفاء بها واجباً.»

وحين يتحول هذا المبدأ من فكرة أخلاقية إلى ثقافة سياسية، ومن ثقافة سياسية إلى قاعدة قانونية، ومن قاعدة قانونية إلى ممارسة مؤسسية، يتغير معنى السلام نفسه. فلا يعود السلام مجرد غياب للحرب أو هدنة بين قوتين، بل يصبح نظاماً للعيش المشترك يقوم على الاعتراف المتبادل، ويجعل حق الآخر شرطاً لإمكان حقي واستدامته.

وهنا تكمن النقلة المنشودة: من حضارة المطالبة بالحقوق إلى حضارة الوفاء بها، ومن منطق القوة التي تفرض إلى منطق المسؤولية التي تلتزم؛ بحيث لا يحتاج الإنسان، ولا الشعب، ولا الدولة إلى الحرب كي يُسمع حقه.

وعند بلوغ هذه المرحلة، يمكن للنظام الدولي أن ينتقل من مجرد إدارة الصراع إلى بناء السلام؛ فيصبح احترام الحق أساساً للسلام، والوفاء به أساساً للثقة، والثقة أساساً للأمن، والأمن إطاراً للحرية والكرامة الإنسانية.

قد يعجبك ايضا