المدينة التي تفقد ذاكرتها حين يصبح التحديث محوًا للمكان

الكاتبة والشاعرة راقية مهدي

ليست المشكلة أن تتغير المدينة
المشكلة أن تتغير حتى لا تعود تعرف نفسها.

فالمدينة ليست مجموعة شوارع وأبنية وجسور، كما أن ذاكرتها لا تسكن في الكتب وحدها. الذاكرة تسكن في التفاصيل التي تبدو عابرة، لكنها حين تختفي لا يمكن استعادتها بسهولة: بيتٌ قديم، شجرةٌ في منتصف الزقاق، دكانٌ يعرف أهله وأسماء زبائنه، مقهى شهد نقاشات أجيال، أو شارعٌ ارتبط في وجدان الناس بحكاية لم تكتبها الكتب.

لهذا، حين يُهدم بيتٌ قديم، لا يسقط الطابوق وحده.

تسقط نافذةٌ كانت تستقبل الصباح، وعتبةٌ عبرتها أقدام أجيال، وشجرةٌ حفظت أسرار العائلة، وربما تختفي من المكان رائحةٌ لا يستطيع أحد أن يعيد تركيبها.

وحين يختفي سوقٌ قديم، لا نخسر محالّه فقط، بل نخسر طريقةً في الحياة.

وحين يغلق مقهى عتيق أبوابه، قد تنتهي معه أحاديث لم تحفظها الصحف، وأسماء شعراء لم تعد الذاكرة الشعبية تتذكرهم إلا من خلال ذلك المكان.

هكذا تفقد المدن ذاكرتها.

ليس دفعةً واحدة، وإنما بالتفاصيل الصغيرة.

اسم شارع يتغير
واجهة قديمة تُزال
شجرة تُقتلع
حرفة تختفي
مقهى يغلق
بيت يُهدم

ثم يأتي جيلٌ جديد يعرف المكان، لكنه لا يعرف حكايته.

وهنا تصبح المسألة أكبر من الحنين.

إنها مسألة هوية.

بغداد، مثل المدن العريقة، ليست عمرانًا فقط. إنها طبقات من الذاكرة تراكمت فوق بعضها عبر الزمن. دجلة، الأسواق، المقاهي، المكتبات، البيوت البغدادية، الأزقة، الحكايات الشعبية، وحتى اللهجة التي يتحدث بها أهلها، كلها أجزاء من نصّ طويل اسمه بغداد.

قد تتغير المدينة، وهذا طبيعي.

فالمدينة التي لا تتغير تتحول إلى متحف، والحياة لا تستطيع أن تعيش داخل المتحف.

لكن الحداثة لا ينبغي أن تعني محو ما سبقها.

يمكن للمدينة أن تبني الجديد دون أن تهدم كل ما يذكّرها بأصلها. يمكن أن تتسع الشوارع دون أن تضيق الذاكرة. ويمكن أن ترتفع الأبنية دون أن تنخفض قيمة الإنسان والمكان.

المشكلة ليست في أن نبني.

المشكلة في أن نبني وكأن الأرض كانت فارغة قبلنا.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمدينة ليس أن تفقد مبنىً قديمًا، بل أن تفقد المعنى الذي كان ذلك المبنى يمثله.

فالمكان حين يُنتزع من ذاكرته يتحول إلى عنوان.

والمدينة حين تفقد حكاياتها تتحول إلى مساحة.

والإنسان حين يفقد علاقته بالمكان يصبح عابرًا فيه، حتى لو عاش عمره كله بين شوارعه.

من هنا تأتي مسؤولية الثقافة.

الثقافة ليست زينةً تُضاف إلى المدن بعد اكتمال عمرانها. إنها الوسيلة التي تجعل المدينة قادرة على تذكّر نفسها.

أن نكتب عن البيوت قبل أن تختفي.

أن نوثق الأسواق قبل أن تتبدل.

أن نحفظ حكايات كبار السن قبل أن تصمت أصواتهم.

أن نلتقط صور الأزقة لا بوصفها مشاهد سياحية، بل بوصفها صفحات من تاريخ اجتماعي لم يُكتب كله.

وأن نعلّم أبناءنا أن التراث ليس شيئًا نضعه خلف الزجاج، وإنما علاقة حيّة بين الإنسان والمكان.

ربما لا نستطيع أن نعيد بيتًا هُدم، ولا شجرةً قُطعت، ولا مقهىً أغلق أبوابه.

لكننا نستطيع أن نمنع الذاكرة من الهدم الثاني.

هدمها في الوعي.

فالمدينة التي تنسى ماضيها لا تصبح أكثر حداثة، بل تصبح أقل قدرة على فهم حاضرها.

والمستقبل الذي لا يعرف من أين جاء، قد يكون واسعًا في أبنيته، لكنه فقيرٌ في معناه.

لذلك لا تحتاج مدننا إلى من يبنيها فقط، بل إلى من يصغي إليها.

إلى شاعرٍ يرى في الزقاق قصيدة.

وإلى مؤرخٍ يرى في البيت وثيقة.

وإلى مصورٍ يحفظ ملامح الشارع قبل أن تتغير.

وإلى مواطنٍ يدرك أن المكان الذي ورثه ليس ملكًا لجيله وحده.

فنحن لا نعيش في المدن وحدنا.

هناك الذين سبقونا، وهناك الذين سيأتون بعدنا.

وبين الماضي والمستقبل تقع مسؤوليتنا:

أن نترك للأجيال القادمة مدينةً تستطيع أن تتقدم دون أن تتنكر لنفسها.

مدينةً ترتفع أبنيتها
ولا تنخفض ذاكرتها.

مدينةً تعرف أن المستقبل ليس قطيعةً مع الماضي، بل امتدادٌ له.

فحين تحفظ المدينة ذاكرتها، لا تكون أسيرةً للماضي.

إنها فقط تعرف:

من أين جاءت
وإلى أين تمضي.

قد يعجبك ايضا