دلزار اسماعيل رسول
الجزء السابع و الخمسون
ولادة في أفق آخر
أطرق بكلي إليك حين تتحدثين… لا لنيل العبرة ولا لرد الجواب، بل لأشرب من نبراتك كؤوسا من السكينة تغسل عن روحي وعثاء السنين… في صمت ليلاتي، أردد همساتك كما يتردد الأداء الرخيم في آفاق الهدوء العميق، وحين يجمعنا المدى، تتضاءل كل الظنون في سناء عينيك، فأسلم لك بزمام الأمر طائعا راضيا، كأنما الحقيقة لم تجد لها مستقرا إلا في فيض قولك….
مذ وطئت قدماك أرض انقشعت غيوم الشك واستطال الضياء؛ لم أعد أرقب السماء من بين الأغصان المتشابكة، بل صرت أرى الوجود كله يتجلى في أفق روحك… أحبك بحب أرفع من التردد وأجل من الخوف، حب يسكب في خطاي ثباتا عجيبا وسط زحام العالم، ويمنحني أجنحة خفية أحلق بها عقب كل لقاء، فلا وحشة تطالني ولا ضياع…
ما كنت يوما قيدا يكبّل حريتي، بل كنت الفضاء الرحيب الذي تنفس فيه قلبي أول أنفاس الحياة… تشاركينني الأحلام بطفولة نادية، وتعيدين ترتيب شغفي كلما بعثرته الأيام، حتى غدوت أرى في حنانك ظلا ظليلا يلملم شعثي ويقيني هجير العمر…
ليس ذنبي أنني تهت في حسنك الصافي، ولا خطئي أنني رأيت في قربك العافية كلها… لقد ألقيت خلفي كل تردد قديم، وجئتك مستسلما لهذه النعمة الجليلة… أعتذر لقلبك الرقيق عن كل لحظة قصر فيها البوح، وأحمد الله الذي جعل منك وجهتي، ومستقري، وملاذي… لا أدري إلى أي أفق ساحر سيمضي بنا هذا التحول الفريد… لكنني موقن أنني بين يديك، أعدت ترتيب نفسي …وولدت من جديد…