حصر السلاح بيد الدولة.. تعهّد دستوري لا يحتمل التأجيل أو المساومة

عرفان الداوودي

يشكّل حصر السلاح بيد الدولة أحد أهم الاختبارات الحقيقية لسيادة العراق وهيبة مؤسساته الدستورية. فالدولة التي تحتكر قرار الحرب والسلم، وتملك وحدها حق إنشاء القوات المسلحة وتنظيمها واستخدام القوة، هي دولة مكتملة السيادة؛ أما تعدد مراكز القوة والسلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية، فيبقي الدولة أمام تحدٍ أمني وسياسي وقانوني لا يمكن معالجته بالبيانات والتعهدات وحدها.

لقد أكدت الحكومات العراقية المتعاقبة التزامها بمبدأ حصر السلاح بيد الدولة، وارتبطت هذه التعهدات ببرامج حكومية وخطط أمنية ومواعيد زمنية متداولة. لذلك فإن أي حديث عن تأجيل التنفيذ أو تمديد المواعيد يستوجب توضيحاً صريحاً للرأي العام: ما الذي تغيّر؟ وما الأسباب القانونية والسياسية والأمنية التي حالت دون الالتزام بالتوقيتات المعلنة؟ ومن يضمن ألا يتحول التأجيل إلى تسويف دائم؟

السؤال الأهم: من يملك القرار الأمني؟

القضية ليست موجهة ضد فصيل أو مكوّن أو جهة سياسية بعينها، وإنما تتعلق بمبدأ دستوري أساسي: لا يمكن أن تكون هناك سلطة عسكرية موازية لسلطة الدولة. فوجود السلاح خارج المؤسسة العسكرية والأمنية الرسمية يفتح الباب أمام تعدد القرارات، ويضعف هيبة القانون، ويجعل المواطن أمام أكثر من جهة قادرة على استخدام القوة وفرض الأمر الواقع.

ومن هنا فإن المطلوب ليس مجرد إعلان سياسي عن حصر السلاح، بل وضع آلية قانونية واضحة ومعلنة تتضمن التسجيل والتصنيف والتنظيم، وتسليم الأسلحة غير القانونية، وإخضاع جميع التشكيلات المسلحة للقوانين والتراتبية العسكرية الرسمية، مع ضمان عدم استخدام السلاح في الصراعات السياسية الداخلية.

هل التأجيل يعني صعوبة القرار؟

إذا كانت الحكومة قد حددت موعداً لتنفيذ هذا الاستحقاق ثم عادت إلى تأجيله، فمن حق المواطن أن يسأل: هل كان الموعد السابق مبنياً على دراسة واقعية أم كان مجرد تعهد سياسي؟

وإذا كانت هناك ظروف أمنية أو سياسية حالت دون التنفيذ، فمن واجب الحكومة أن تشرحها بوضوح، وأن تقدم جدولاً زمنياً جديداً وآلية تنفيذ قابلة للقياس والمحاسبة، بدلاً من ترك الملف مفتوحاً بلا سقف زمني. فالسيادة لا تُستعاد بالشعارات، وإنما بإجراءات عملية تستطيع الدولة الدفاع عنها وتطبيقها على الجميع دون استثناء.

لا ينبغي أن يتحول الملف إلى صراع إقليمي

ومن أخطر ما يمكن أن يواجه العراق أن يصبح ملف السلاح الداخلي مرتبطاً بحسابات إقليمية أو دولية. العراق يحتاج إلى علاقات متوازنة مع جميع دول الجوار والمجتمع الدولي، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى قرار وطني مستقل لا يخضع لإملاءات أي طرف خارجي.

ولهذا فإن أي تدخل خارجي، أياً كان مصدره، في تحديد مستقبل السلاح داخل العراق يجب أن يُقابل بموقف حكومي واضح يحافظ على القرار الوطني والسيادة العراقية. كما أن من حق الشعب أن يعرف: هل تأجيل تنفيذ حصر السلاح جاء لأسباب عراقية خالصة، أم أن هناك ضغوطاً خارجية أثرت في القرار؟ وإذا كانت هناك ضغوط، فلماذا لا تُعرض الحقائق أمام الرأي العام والمؤسسات الدستورية؟

حصر السلاح يجب أن يكون شاملاً وعادلاً

إن تطبيق القانون لا يمكن أن يكون انتقائياً. فلا يمكن أن يكون السلاح خارج الدولة مشكلة عندما يتعلق بجهة، ومقبولاً عندما يتعلق بجهة أخرى. المعيار يجب أن يكون واحداً: السلاح للدولة، والقرار للدولة، والقانون فوق الجميع.

وفي المقابل، يجب أن تتعامل الدولة مع الملف وفق القانون، بعيداً عن الانتقام أو الإقصاء السياسي، وأن تضمن الحقوق القانونية لكل من يلتزم بالانتقال إلى المؤسسات الرسمية أو يسلم سلاحه وفق الإجراءات المعتمدة.

وماذا بعد انسحاب القوات الأجنبية؟

إذا كان العراق يتجه إلى مرحلة جديدة في علاقته بالقوات الأجنبية، فإن المسؤولية الوطنية تصبح أكبر. فانسحاب أي قوة أجنبية لا ينبغي أن يؤدي إلى فراغ أمني أو إلى انتقال مراكز القوة من جهة إلى أخرى. بل المطلوب أن تكون النتيجة الطبيعية هي تعزيز القوات العراقية ومؤسسات الدولة، وليس إطلاق يد أي جهة مسلحة لتوسيع نفوذها أو فرض إرادتها.

ومن هنا فإن الحديث عن حصر السلاح يجب أن يكون جزءاً من رؤية متكاملة لبناء دولة قوية، قادرة على حماية حدودها وأمن مواطنيها واتخاذ قراراتها السيادية بعيداً عن أي تهديد أو ابتزاز.

العراق أمام اختبار حقيقي

إن استمرار ملف السلاح خارج إطار الدولة من دون معالجة نهائية سيبقي العراق عرضة للأزمات الداخلية والتدخلات الخارجية، وسيؤثر في علاقاته مع محيطه العربي والإقليمي والدولي، كما سيضعف ثقة المواطن بالمؤسسات الدستورية. لذلك فإن المطلوب من الحكومة الاتحادية ليس إصدار تعهد جديد، وإنما تنفيذ التعهدات السابقة.

وإذا كانت هناك صعوبات أمام التنفيذ، فلتصارح الحكومة الشعب بها، ولتقدم خطة زمنية واضحة، ولتضع معايير معلنة لقياس التقدم، ولتتحمل الجهات المسؤولة مسؤوليتها السياسية والقانونية.

إن حصر السلاح بيد الدولة ليس شعاراً انتخابياً ولا ورقة تفاوضية، بل هو استحقاق دستوري وسيادي وأمني، ونجاح الدولة في إنجازه سيكون مؤشراً على قدرتها على فرض القانون على الجميع. أما التأجيل المتكرر من دون تفسير مقنع، فإنه يبعث برسالة خطيرة مفادها أن الدولة تعلن ما لا تستطيع تنفيذه.

العراق اليوم بحاجة إلى رسالة مختلفة: لا سلاح فوق القانون، ولا قرار فوق قرار الدولة، ولا جهة فوق الدستور. فالدولة القوية لا تُقاس بعدد الأسلحة الموجودة فيها، وإنما بقدرتها على جعل سلاح واحد، وقرار واحد، وقانون واحد، وسلطة دستورية واحدة هي المرجعية لجميع العراقيين دون استثناء.

قد يعجبك ايضا
∧