الْفَوْضَى وَالْفَسَادُ: أَيُّهُمَا أَوْلَى؟

حكيم زغير الساعدي

الْفَوْضَى: هِيَ عَدَمُ النِّظَامِ وَعَدَمُ الِالْتِزَامِ بِالْقَوَانِينِ، حَيْثُ تُوجَدُ قَوَانِينُ لَكِنْ تُطَبَّقُ بِعَشْوَائِيَّةٍ أَوْ تُوَازِياً مَعَ غِيَابِ التَّخْطِيطِ الدَّقِيقِ، وَلَا تُوجَدُ هُنَاكَ آلِيَّةٌ تُنَظِّمُ سَيْرَ الْقَوَانِينِ وَلَا كَيْفِيَّةِ التَّوَازُنِ فِي آلِيَّةِ تَطْبِيقِهَا. وَتَكْمُنُ مُعَالَجَةُ هَذِهِ الْفَوْضَى بِوَضْعِ خُطَّةٍ صَحِيحَةٍ وَتَطْبِيقِهَا وَفْقَ آلِيَّةٍ عِلْمِيَّةٍ مُنَظَّمَةٍ.
وَالْفَسَادُ: لُغَةً هُوَ الْخُرُوجُ عَنِ الِاعْتِدَالِ وَالِانْحِرَافُ عَنِ الِاسْتِقَامَةِ وَإِفْسَادُ الشَّيْءِ بِطَرْدِهِ عَنْ صَلَاحِيَّتِهِ، وَاصْطِلَاحاً هُوَ كُلُّ سُلُوكٍ وَاسْتِغْلَالٍ لِلسُّلْطَةِ أَوْ النُّفُوذِ أَوْ الْمَوْقِعِ الْوَظِيفِيِّ يَفْرِضُ تَحْقِيقَ مَكَاسِبَ شَخْصِيَّةٍ أَوْ مَادِّيَّةٍ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ عَلَى حِسَابِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى الْإِضْرَارِ بِالِاقْتِصَادِ وَتَعْطِيلِ مَسَارَاتِ التَّنْمِيَةِ وَإِضْعَافِ الثِّقَةِ بِمُؤَسَّسَاتِ الدَّوْلَةِ.
أَقْسَامُ الْفَسَادِ
١. الفساد الإداري: ويتمثل بالروتين الإداري المعقد والتقاعس، والرشوة وما يلحق بها.
٢. الفساد المالي: ويتمثل بالاستيلاء على المال العام بطرق شتى كغسل الأموال، والتهرب الضريبي، وتقديم الرشاوى، والتلاعب بالميزانيات والعقود الحكومية.
٣. الفساد السياسي: ويتمثل بعدة أمور منها تزوير الانتخابات، وشراء الأصوات، واتخاذ قرارات كاستغلال النفوذ السياسي لحماية شبكات الفساد.
٤. الفساد القضائي: وهو انحراف العدالة عن مسارها الصحيح من خلال بيع الأحكام، أو تزوير الحقائق، أو التدخل في استقلالية القضاء لصالح أطراف نافذة، مما يؤدي إلى ضياع حقوق الفقراء وانتشار شريعة الغاب.
٥. الفساد الأخلاقي: ويتعلق بانهيار المنظومة الأخلاقية، وسلب القيم والمبادئ، وانعدام الضمير، والتخلي عن القيم الرفيعة.
التَّلَازُمُ بَيْنَ الْفَوْضَى وَالْفَسَادِ
هَذَا الْأَمْرُ حَقِيقَةٌ لَا نَسْتَطِيعُ إِنْكَارَهَا؛ فَهُنَاكَ تَلَازُمٌ بَيْنَ الْفَوْضَى وَالْفَسَادِ، فَأَحَدُهُمَا يَأْتِي بِالْآخَرِ. فَالْفَوْضَى هِيَ الَّتِي تَأْتِي بِالْفَسَادِ إِلَى الْوَاقِعِ؛ بِمَعْنَى أَنَّ الْفَوْضَى وَغِيَابَ التَّنْظِيمِ فِي تَطْبِيقِ الْقَوَانِينِ يُؤَدِّيَانِ إِلَى وُجُودِ الْجَرِيمَةِ، وَغِيَابِ الْأَمْنِ، وَعَجْزِ بِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ، وَتَوَقُّفِ الْحَيَاةِ؛ فَهَذَا الْأَمْرُ هُوَ الْأَسَاسُ لِلْفَسَادِ بِكُلِّ أَقْسَامِهِ، فَمُقَدِّمَةُ الْفَسَادِ وَالْفَوْضَى هِيَ الْفَوْضَى وَتَرْسِيخُهَا.
الْمُفَاضَلَةُ بَيْنِ حُكُومَةِ الْفَوْضَى وَحُكُومَةِ الْفَسَادِ
الْفَوْضَى تَعْنِي أَنَّهُ لَا وُجُودَ لِدَوْلَةٍ، بَلْ شِبْهُ دَوْلَةٍ وَالْأَمْرُ مُعَقَّدٌ، مَعَ غِيَابٍ تَامٍّ لِمُؤَسَّسَاتِ الدَّوْلَةِ لِغِيَابِ النِّظَامِ وَالْقَانُونِ وَسِيَادَةِ سُلْطَةِ الْقُوَّةِ وَالنُّفُوذِ. لَكِنَّ حُكُومَةَ الْفَسَادِ يُوجَدُ فِيهَا مُؤَسَّسَةٌ أَوْ دَائِرَةٌ أَوْ مُسْتَشْفَى تُقَدِّمُ خَدَمَاتٍ بَسِيطَةً؛ إِذْ تُوجَدُ دَوْلَةٌ -وَإِنْ كَانَتْ لَا تُوَفِّرُ كَافَّةَ الِاحْتِيَاجَاتِ وَلَا تُقَدِّمُ الْخَدَمَاتِ وَفْقَ الْمُسْتَوَى الْمَطْلُوبِ-.
قَدْ يَبْدُو لِلْبَعْضِ فِي الظَّاهِرِ أَنَّ حُكُومَةَ الْفَسَادِ أَهْوَنُ شَرّاً مِنَ الْفَوْضَى، لَكِنَّ الْحَقِيقَةَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ وَإِنَّمَا الْفَسَادُ وَالْفَوْضَى أَمْرَانِ سِيَّانِ، وَمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ إِلَّا أَمْرٌ تَنَزُّلِيٌّ وَمُقَارَنَةُ أَفْضَلِيَّةٍ، وَإِلَّا فَالْأَمْرَانِ سِيَّانِ وَالْفَسَادُ صِنْوُ الْفَوْضَى.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ نَابِعَةٌ مِنْ عَقْلِيَّةٍ سِيَاسِيَّةٍ فَاشِلَةٍ لَيْسَ لَدَيْهَا رُؤْيَةٌ مُسْتَقْبَلِيَّةٌ أَوْ خُطَطٌ لِلْبِنَاءِ، مَعَ التَّخَبُّطِ فِي اتِّخَاذِ الْقَرَارِ السِّيَاسِيِّ الْمُتَّزِنِ الصَّحِيحِ.
الْخَاتِمَةُ
فَالْفَوْضَى وَالْفَسَادُ هُمَا عَامِلَا هَدْمٍ لِأَيِّ مُجْتَمَعٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَعْرَقِ الْمُجْتَمَعَاتِ؛ فَإِذَا حَلَّا فِيهِ حَوَّلَاهُ إِلَى أَسْوَأِ بَلَدٍ، لِيَغْرَقَ فِي الدُّيُونِ وَالتَّدَخُّلَاتِ وَغِيَابِ الْإِرَادَةِ وَضَيَاعِ الثَّرَوَاتِ، وَتَكْثُرَ مَشَاكِلُهُ حَتَّى لَا تَقُومَ لَهُ قَائِمَةٌ؛ حَيْثُ لَا مُنْشَأَةَ وَلَا مَصْنَعَ يَعْمَلُ، وَلَا مُؤَسَّسَةَ تُقَدِّمُ خِدْمَةً، وَكُلُّ مَقَوِّمَاتِ الْحَيَاةِ فِيهِ مَعْدُومَةٌ. وَلَا سَبِيلَ لِلْخُرُوجِ مِنْ هَذَا النَّفَقِ إِلَّا بِإِعَادَةِ بِنَاءِ دَوْلَةِ الْمُؤَسَّسَاتِ وَتَرْسِيخِ سِيَادَةِ الْقَانُونِ الْحَقِيقِيِّ.

قد يعجبك ايضا
∧