سبعون عاماً من أسئلة التزوير والنزاهة الانتخابية في مدينة القرنة

نبيل عبد الأمير الربيعي

ليست الانتخابات إجراءً إدارياً ينتهي بإغلاق صناديق الاقتراع وإعلان النتائج، بل هي تعبير عن علاقة الثقة بين المواطن والدولة، ومقياس لاحترام الإرادة الشعبية وحق الناس في اختيار ممثليهم بحرية. وحين تتدخل السلطة لتوجيه النتائج، أو تُستبدل إرادة الناخب بمصالح أصحاب النفوذ، تفقد الانتخابات جوهرها، ويتحول التمثيل السياسي من تفويض شعبي إلى وسيلة لإعادة إنتاج السلطة.

إن العودة إلى تاريخ العراق السياسي تكشف أن أزمة نزاهة الانتخابات ليست وليدة مرحلة ما بعد عام 2003، ولا ترتبط حصراً بظهور المال السياسي أو تطور وسائل الدعاية الانتخابية. فقد عرف العراق، في العهد الملكي، تجارب أثارت اعتراضات واسعة على تدخل السلطة في توجيه النتائج، ومن بينها ما جرى في قضاء القرنة بمحافظة البصرة سنة 1954، وهي واقعة تستحق التوقف عندها لا بوصفها حادثة من الماضي فحسب، بل باعتبارها مدخلاً لفهم العلاقة المعقدة بين السلطة وصندوق الاقتراع في التجربة العراقية.

من الوثائق التي تستحق الاهتمام في هذا السياق كتاب الدكتور نوري جعفر، الموسوم (وقائع تزوير الانتخابات في القرنة لمصلحة السيدين أحمد النقيب وحميد الحمود)، يتضمن 170 صفحة، وهو كتاب يتناول الانتخابات التي شهدها قضاء القرنة سنة 1954، وما رافقها من اتهامات بالتدخل والتلاعب بإرادة الناخبين. وتزداد أهمية الكتاب لكون مؤلفه لم يكن مراقباً بعيداً عن الحدث، بل ارتبطت تجربته الشخصية بما جرى، وتناول في سياقها ما تعرض له من فصل وظيفي.

إن قيمة هذه الشهادة تتجاوز حدود المنافسة بين مرشحين؛ فهي تضعنا أمام سؤال جوهري عن حياد الإدارة الحكومية، وحدود تدخل السلطة في العملية الانتخابية، ومصير الموظف أو المواطن الذي يرفض الصمت إزاء ما يراه انتهاكاً لحق عام.

فالانتخابات لا تكون نزيهة لمجرد وجود صناديق وأوراق انتخابية، وإنما حين تتوافر ضمانات حقيقية تمنع استغلال مؤسسات الدولة لمصلحة طرف على حساب آخر. وعندما تصبح الإدارة جزءاً من الصراع الانتخابي، تتراجع ثقة المواطنين بإجراءات الاقتراع، ويغدو التشكيك في النتائج امتداداً للتشكيك في عدالة النظام السياسي نفسه.

وتشير الروايات التاريخية إلى أن انتخابات القرنة ارتبطت بالتنافس بين الدكتور نوري جعفر وعامر الحسك من جهة، وأحمد النقيب وحميد الحمود من جهة أخرى، وسط اتهامات بتدخل أجهزة السلطة لمصلحة المرشحين الأخيرين. وقد شكلت هذه الواقعة جزءاً من المناخ السياسي المضطرب الذي شهدته البلاد في السنوات الأخيرة من العهد الملكي.

لا تقف ذاكرة القرنة عند حدود الاعتراض على النتائج، بل تحمل رواية شعبية مؤلمة عن لحظة انفجار الغضب بعد شعور الأهالي بأن أصواتهم لم تُحترم. فبحسب الروايات المحلية المتداولة، توجه عدد من المحتجين إلى مركز السراي، وألقوا صناديق انتخابية في نهر دجلة، في فعل احتجاجي عبّر عن رفضهم لما اعتبروه تزويراً لإرادتهم. وترد في هذه الروايات أسماء كاظم حسين الخلف، وسيد موسى الياسري، وعبدون عبد العباس الإمام، كما يُذكر أن سيد موسى الياسري تعرض للسجن على خلفية الأحداث.

وتربط الذاكرة المحلية تلك الانتخابات أيضاً بالشيخ هادي الشلال آل فضل والزعيم عامر حسك الإمارة، بوصفهما من المتضررين من نتائجها. وتظل التفاصيل المتعلقة بالأدوار الفردية والنتائج الدقيقة للحادثة بحاجة إلى مقابلة نص الكتاب بالوثائق والصحف والشهادات المحلية؛ فالأمانة التاريخية تقتضي التمييز بين ما تثبته المصادر وما تحتفظ به الذاكرة الشعبية.

لكن مغزى الحادثة لا يتوقف على تفاصيلها الجزئية. فالصندوق الذي انتهى، وفق تلك الروايات، في مياه دجلة يختصر أزمة أعمق: ماذا يحدث حين يفقد المواطن ثقته بأن صوته سيصل إلى النتيجة التي تعبر عنه؟ وكيف يمكن للنظام السياسي أن يستعيد شرعيته إذا لم يشعر الناخب بأن إرادته مصونة؟
لم يكن الاحتجاج في القرنة مجرد نزاع على مقعد انتخابي، بل تعبيراً عن صراع حول معنى المشاركة السياسية وحدود سلطة الحاكم. وقد دفعت تلك الأحداث إلى الواجهة قضية لا تزال حاضرة في الحياة العامة العراقية: هل الانتخابات وسيلة لاختيار السلطة، أم وسيلة تستخدمها السلطة لضمان استمرارها؟

في تجربة القرنة، برزت اتهامات بالتدخل السلطوي المباشر في الإدارة الانتخابية. فقد اتسعت دائرة المخاوف لتشمل المال السياسي، واستغلال النفوذ الوظيفي، واستخدام الموارد العامة في الدعاية، والضغط على الناخبين، وشبكات المصالح التي قد تربط الخدمات أو المنافع بالولاء الانتخابي. وهنا ينبغي التمييز بين التزوير الذي يستهدف تغيير إجراءات الاقتراع أو النتائج، وبين الممارسات التي تخل بتكافؤ الفرص وتؤثر في حرية الاختيار. فليس كل تنافس غير متكافئ تزويراً بالمعنى القانوني، كما لا يصح اتهام انتخابات أو جهة معينة بالتلاعب من دون أدلة محددة. لكن غياب التزوير المباشر لا يعني بالضرورة أن البيئة الانتخابية عادلة، أو أن المواطن يمتلك فرصاً متساوية في اتخاذ قراره.

إن مرور أكثر من سبعة عقود على واقعة القرنة يفرض سؤالاً لا يتعلق بالماضي وحده: بل ما الذي تغير في العلاقة بين المواطن وصندوق الاقتراع؟ لقد تطورت الإجراءات الانتخابية، وتبدلت الأنظمة والقوانين، وأصبحت وسائل مراقبة الانتخابات أكثر تنوعاً. لكن التطور الإجرائي لا يكفي إذا بقيت الثقة الشعبية عرضة للاهتزاز، أو إذا شعر الناخب بأن تأثير صوته يتراجع أمام قوة المال والنفوذ والتحالفات السياسية.

والدرس الأهم من تجربة نوري جعفر أن الدفاع عن نزاهة الانتخابات لا ينبغي أن يكون موقفاً موسمياً يظهر عند الخسارة ويختفي عند الفوز. إنه مبدأ عام، يختبر عندما تكون النتائج في مصلحة المرء كما يختبر عندما تأتي على خلاف توقعاته. فالقبول بالنتائج لا يعني إغلاق باب الاعتراض القانوني، والاعتراض لا يعني إدانة النتائج مسبقاً؛ إنما الفيصل هو الدليل، وشفافية الإجراءات، واستقلال الجهات التي تفصل في النزاع.

كما أن توثيق هذه الوقائع مسؤولية ثقافية وتاريخية. فالكتاب الذي يسجل تجربة انتخابية مضطربة لا ينبغي أن يبقى حبيس المكتبات أو الذاكرة المحدودة، بل يستحق إعادة القراءة والتحقيق والنشر، وربطه بتاريخ الحياة النيابية في العراق، بما يسمح للأجيال الجديدة بفهم جذور أزمات الثقة بالمؤسسات.

إن استعادة واقعة القرنة لا تعني إصدار حكم شامل على العهد الملكي، مثلما أن نقد الانتخابات الحديثة لا يعني إنكار ما تحقق من تعددية وإجراءات قانونية. المطلوب هو قراءة التاريخ بموضوعية، ومقارنة الوقائع بأدلتها، واستخلاص الدروس التي تساعد على بناء مؤسسات أكثر استقلالاً وعدالة.
لقد تركت واقعة القرنة سنة 1954 أثراً في الذاكرة السياسية العراقية، وأعاد كتاب نوري جعفر فتح ملف العلاقة بين السلطة والانتخابات وما يمكن أن يترتب على الاعتراض من أثمان شخصية. واليوم، لا تكمن أهمية هذه الذاكرة في استحضار أسماء الماضي وحدها، بل في تحويلها إلى معرفة تحمي الحاضر من تكرار الأخطاء.

فهل أصبح صوت العراقي أكثر أماناً بعد كل هذه التحولات، أم أن وسائل التأثير تبدلت بينما بقيت معركة المواطن من أجل إرادته قائمة؟ إن الإجابة لا تُستخلص من الشعارات ولا من عدد الصناديق، بل من قدرة المؤسسات على حماية صوت كل ناخب، ومن استعداد السلطة لقبول المنافسة والاحتكام إلى القانون. فالانتخابات ليست أن نملأ الصناديق بالأوراق، بل أن نضمن ألا تُفرَّغ إرادة الناس من معناها.

قد يعجبك ايضا
∧