نص مقابلة رئيس حكومة اقليم كوردستان السيد مسرور بارزاني مع قناة الجزيرة

 

مسرور بارزاني في مقابلة خاصة مع قناة الجزيرة: بين مطرقة الصراعات الإقليمية ورهان التنمية.. أين يقف إقليم كوردستان؟

في حوارٍ استثنائي وشامل عبر برنامج “المقابلة” على شاشة الجزيرة2، يفتح الإعلامي علي الظفيري مع رئيس حكومة إقليم كوردستان العراق، مسرور بارزاني، أكثر الملفات السياسية والأمنية سخونةً وإثارة للجدل في المنطقة.

يتطرق اللقاء إلى موقف الإقليم من الحرب الدائرة وتداعيات النفوذ الإقليمي، وحقيقة الهجمات الصاروخية والمسيّرات التي طالت أربيل. كما يحلل مسرور بارزاني طبيعة العلاقة الشائكة بين بغداد والمركز بشأن الفيدرالية وقانون النفط والغاز، ويقدم رؤيته الشفافة بشأن العلاقات مع دول الجوار (تركيا، سوريا، وإيران)، وصولاً إلى ملف التنمية الاقتصادية ورهانه الجديد على جيلٍ كورديًّ شاب يتطلع للمستقبل بعيداً عن آلام الماضي.

نص الحوار:

علي الظفيري: سعداء بوجودك في المقابلة…

مسرور بارزاني: شكراً لاتاحة هذه الفرصة للحديث عن إقليم كوردستان والتحديات الكبرى التي تحيط بالإقليم.

علي الظفيري: أنت ولدت في كوردستان ولكنك نشأت خارجها؟

مسرور بارزاني: نعم، أنا ولدت في كوردستان عام 1969 في منطقة جبلية اسمها ديلمان في محافظة أربيل، ثم خرجت إلى إيران في سنة 1975.

علي الظفيري: عشت في إيران كم سنة؟

مسرور بارزاني: تقريباً حتى عام 1991.

علي الظفيري: مدة طويلة، هل تتقن الفارسية؟

مسرور بارزاني: نعم أعرفها، في البداية في كرج، وبعدها جئنا إلى منطقة كوردية اسمها سيلفانا، أشنويه وسيلفانا.

علي الظفيري: ثم انتقلت للخارج طوال مرحلة الدراسة.

مسرور بارزاني: نعم، بعد الانتفاضة رجعنا إلى العراق، إلى كوردستان العراق، وثم توجهت إلى أمريكا وبعدها رجعت في 1998.

علي الظفيري: هذا الجيل الآن هو الجيل الثالث الذي يحكم كوردستان من أسرة بارزاني؟

مسرور بارزاني: نعم.

علي الظفيري: الجيل الأول كان جيل حرب وجيل الصراعات، الآن جيل البناء نستطيع أن نقول هذا الوصف؟

مسرور بارزاني: والله نحاول…

علي الظفيري: هل تشعرون بأن الإقليم بدأ يتنفس الصعداء قليلاً وبدأ الإستقرار؟

مسرور بارزاني: طبعاً بالتأكيد، الآن الوضع أحسن، لكن هناك مشاكل كما ترى.

علي الظفيري: يقال لا صديق للكورد سوى الجبال.

مسرور بارزاني: إن شاء الله نحن ابتعدنا عن هذه الفكرة، هناك أصدقاء، وهناك أصدقاء لكل الناس في المنطقة مع كل الشعوب…

علي الظفيري: هل هم أصدقاء لكم؟

مسرور بارزاني: هذه مشكلة لا أعرف والله، إن شاء الله يكون…

علي الظفيري: واحدة من التحديات، تحديات الأمة الكوردية، تكاد تكون الأمة الوحيدة في العالم التي ليس لها وطن قومي مستقل، نحن نتحدث عن 50 مليون كوردي موزعين بين إيران وتركيا وسوريا …

مسرور بارزاني: لايوجد إحصاء دقيق، لكن ممكن بحدود 50 مليون.

علي الظفيري: موزعين في هذه الدول، الآن إقليم كوردستان يمثل الواقع الكوردي…

مسرور بارزاني: وموزعين في مناطق أخرى ايضا…

علي الظفيري: سعداء بوجودك معنا السيد رئيس الوزراء، هناك ملفات سياسية كثيرة تتعلق بإقليم كوردستان، تتعلق بالحرب الدائرة، تتعلق بعلاقاتكم الداخلية وعلاقاتكم الخارجية نود أن نطرحها معكم، حياكم الله.

مسرور بارزاني: شكراً جزيلاً.

(نص المقابلة الرئيسي)

علي الظفيري: ملف الحرب الإيرانية هو الملف الأكثر سخونة اليوم، كيف ترون هذه الحرب وما وصلت إليه اليوم ومالاتها ما موقف حكومة كوردستان من هذه الحرب؟

مسرور بارزاني: كان موقفنا واضحًا منذ اليوم الأول: نحن لا نريد أن نكون طرفًا في أي صراع أو حرب في المنطقة. بالتأكيد لم نكن من بدأ هذه الحرب، وكل ما نريده هو حماية إقليم كردستان والحفاظ عليه بعيدًا عن أي صراع. كما نفضّل الحلول السلمية لأية مشكلة. ونؤمن بأن أي حرب ستنتهي في نهاية المطاف باتفاقٍ سلمي، ولكن بعد استنزاف الكثير من الوقت أوالموارد، وإزهاق أرواحٍ كثيرة، لنصل في النهاية إلى اتفاقٍ سلمي. لذلك نفضّل أن نرى تسويةً سلمية تُراعى فيها مصالح جميع الأطراف وتحظى باحترامها، وكذلك… فيما يتعلق بإقليم كوردستان، فإننا نأمل أن تحترم جميع الأطراف سيادة ووحدة أراضي العراق وإقليم كوردستان.

علي الظفيري: هل كانت هناك محاولات برأيك لجر إقليم كوردستان ليكون جزءاً من هذه الحرب لكي يشارك بهذه الحرب أو جزءاً منها بشكل أو بآخر؟

مسرور بارزاني: ربما كانت هناك محاولات لكن موقفنا كان واضحاً منذ اليوم الأول، لا نريد أن نستدرج إلى حرب ولا نريد أن نكون جزءاً منها.

علي الظفيري: ما هي المحاولات التي كانت تدفعكم للمشاركة من قبل الطرف الأمريكي؟

مسرور بارزاني: لا، لم تكن توجد أية ضغوط، ودعني أكون واضحاً تماماً، لم يمارس أي طرف ضغوطاً علينا لنكون جزءاً من أي حرب، بطبيعة الحال لدينا مصالحنا الوطنية وهي تأتي في المقام الأول قبل كل شيء، نحن نحترم علاقاتنا مع أصدقائنا لكننا لا نريد أن نكون طرفاً في حرب جديدة.

علي الظفيري: كرئيس لحكومة الإقليم السيد مسرور بارزاني، كيف تُقيَّم نتائج الحرب حتى اللحظة؟

مسرور بارزاني: إنه وضع بالغ الصعوبة، كما تعلمون فإن المنطقة تشهد حالة من عدم الاستقرار وقد انعكس ذلك سلباً على الاقتصاد ليس على مستوى المنطقة فحسب بل على مستوى العالم أيضاً، كما تعيش المنطقة حالة من انعدام اليقين إذ لا نعرف كيف ستكون نهاية هذه الحرب، بالتالي فإن القلق يسود هنا في إقليم كوردستان كما يسود في أماكن أخرى كثيرة، ونأمل جميعاً أن تنتهي هذه الحرب في أقرب وقت ممكن.

علي الظفيري: يعني أنتم تأملون أن تكونوا خارج الحرب، لكن ربما موضعكم يجبركم أو يقحمكم في هذه الحرب، من ناحية هناك فصائل عراقية غير حكومية تستهدف الإقليم وتستهدف مناطق معينة في الإقليم، إيران تستهدف أيضاً مناطق في الإقليم، هناك أيضاً أحزاب معارضة كوردية إيرانية تقوم بدور باتجاه إيران وبالتالي هناك ردود عليها، كأن الوضع لا يسمح لكم بالابتعاد عن هذه الحرب؟

مسرور بارزاني: فيما يتعلق بالمعارضة الموجودة في إقليم كوردستان، فهي موجودة هنا من قبل عام 1991 بل كانت موجودة حتى في المرحلة السابقة باعتبارهم لاجئين قدموا إلى العراق، لذلك فنحن ورثنا هذه المشكلة ولم نتسبب في نشأتها، وكثير من هؤلاء لديهم عائلات كما أن أعداداً كبيرة منهم موزعة في أرجاء متعددة من المنطقة، ومع ذلك بذلنا كل ما في وسعنا لضمان التزام الجميع بالسياسة الرسمية لإقليمنا وحكومتنا وألا يكونوا طرفاً في أية مشكلة وألا يشكل أي تهديد لأمن أي من جيراننا. أما فيما يتعلق باستهداف إقليم كردستان، فمن المؤسف أن ذلك حدث بالفعل، فقد تعرض الإقليم حتى الآن لأكثر من 1000 هجوم بالصوارخ والطائرات المسيرة، سواء بشكل مباشر من إيران أو من داخل العراق على يد بعض الميليشيات. وللأسف نعتقد أن هذه كلها هجمات غير مسوغة ضد كوردستان، وللأسف تكبدنا أيضاً خسائر بشرية وفقدنا عدداً من أبنائنا، كما تعرضت أجزاء كبيرة من بنيتنا التحتية لأضرار جسيمة، وبالطبع ندين هذه الهجمات على إقليم كوردستان وما زلنا نواصل إدانتها، لأن الإقليم لا ينوي أن يكون طرفاً في هذا الصراع ولا أن ينظر إليه بوصفه يشكل تهديداً لأمن أي طرف.

علي الظفيري: ما هي الأسباب المعلنة لاستهداف الإقليم بهذا العدد الكبير من الهجمات، أكثر من 1000 هجمة؟

مسرور بارزاني: حسناً، هم كانوا واضحين تماماً بشأن الأسباب، أحد هذه الأسباب هو اعتقادهم أن إقليم كوردستان شأنه شأن أنحاء العراق الآخرى يستضيف قوات التحالف، وهي قوات جاءت إلى العراق بدعوة من الحكومة العراقية وكانت مهمتها محاربة تنظيم داعش والإرهاب ولذلك استمر وجودها، وكما نعلم جميعاً فإن هذه المهمة ستنتهي بحلول نهاية شهر سبتمبر (أيلول) وعندها ستغادر تلك القوات، إذن كان وجود قوات التحالف أحد الأسباب التي استندوا إليها، وهو ما أعتقد أنه كان قراراً سيئاً للغاية من قبل كل من ينظر إلى قوات التحالف هذه التي جاءت لمساعدة الشعب العراقي بوصفها مشكلة ثم يستهدفونها وكأنها ذريعة. أما استهداف إقليم كردستان بحجة وجود تلك القوات فهو أمر غير مقبول ولا يمكن تبريره، وبالطبع سمعنا أيضاً أن وجود المعارضة الكوردية في الإقليم يعد في نظر بعضهم سبباً آخر لشن هجماتهم علينا، لكن للاسف لم تقتصر هذه الهجمات على مناطق محدده، بل طالت أنحاء متفرقة من الإقليم بأكمله وأسفرت عن سقوط ضحايا حتى إن مدنيين دفعوا الثمن الأغلى كما كان لها أثر بالغ في اقتصاد الإقليم، لكن كما قلت فإن إقليم كوردستان ليس طرفاً في هذه الحرب وقد بذلنا كل ما في وسعنا لضمان ألا يشكل الإقليم أي تهديد لأمن أي طرف، سواء كانوا أطرافاً في الصراع ام قوى إقليمية أو دول مجاورة، ولأكون صريحاً معكم أرى أن هذه ليست سوى ذرائع واهية لاستهداف الإقليم ولا يمكن تسويغها بأي حال من الأحوال.

علي الظفيري: ألا تنطلق هجمات أمريكية ضد إيران من إقليم كوردستان؟ الحديث عن قاعدة حرير الأمريكية الموجودة في إقليم كوردستان، ربما قد تكون كوردستان حسب الاتهامات الإيرانية أرضاً للهجوم على إيران وبالتالي يتم استهدافها؟

مسرور بارزاني: هذا غير صحيح، أولاً قاعدة حرير الجوية خالية منذ عشر سنوات، لقد استخدمت في البداية من قبل قوات التحالف في الحرب ضد تنظيم داعش، وانتهت الحرب على داعش عام 2017، قاعدة حرير خالية، هذه الهجمات كلها استهدفت قاعدة خالية، لا يوجد أي جنود أمريكيين في حرير بل لا توجد أية قوات عسكرية على الإطلاق. بالطبع كان لدينا وجود أمريكي في أربيل، وقد تعرض هذا الوجود للاستهداف بشكل متكرر، لكن كما تعلمون فإن مهمة الأمريكيين الموجودين في إقليم كوردستان كانت تقتصر على مكافحة الإرهاب وحماية العراقيين بمن فيهم سكان إقليم كوردستان من التهديدات الإرهابية.

علي الظفيري: ما حجم الوجود الأمريكي في إقليم كوردستان؟

مسرور بارزاني: الآن لم يعد هناك أي وجود، كما تعلمون فقد غادرت تلك القوات بالفعل، بالتالي فإن الولايات المتحدة تنهي مهمتها وفقاً للاتفاق المبرم بينها وبين الحكومة الاتحادية.

علي الظفيري: الاتهامات الإيرانية فيما يتعلق بنشاط الأحزاب الكوردية الإيرانية المعارضة والتي تتخذ من الإقليم أو من حدود الإقليم مقراً لها، كيف تتعاملون مع هذه المسألة؟

مسرور بارزاني: نحن نرى أن أي قضية تتعلق بالكورد في أية دولة يجب أن تحل بالطرائق السلمية، وأفضل سبيل لذلك هو الحوار، فإذا كانت توجد خلافات أو نزاعات مع فصائل أو كيانات سياسية أو كما في هذه الحالة مع الكورد في إيران، فإننا نعتقد أن الطريق الأمثل هو فتح باب الحوار بين الأطراف المعارضة ونرى أن ذلك هو السبيل الأفضل للمضي قدماً. بطبيعة الحال لا يمكن لأحد أن ينكر وجود الكورد، فالكورد جزء أصيل من دول المنطقة التي يعيشون فيها وينتمون إليها، لكن في هذه الحالة تحديداً فإننا نعتقد أن حجم التهديد الذي صور أو الطريقة التي جرى بها تصوير الكورد بوصفهم يشكلون خطراً كبيراً على الأمن القومي الإيراني قد جرى تضخيمها إلى حد كبير، لم يكن للكورد ذلك التأثير الكبير ولم تكن لديهم أية نية حقيقية للقيام بدور من شأنه أن يزيد الوضع سوءاً. في الأساس يسعى الجميع إلى حماية نفسه، ونحن في إقليم كوردستان بذلنا كل ما في وسعنا لضمان أمن حدودنا واستقرارها وللتأكد من أن أراضي الإقليم لا تستخدم من قبل أي طرف للإضرار بأي من جيراننا.

علي الظفيري: لكن سيدي رئيس الوزراء تعرف انه في بداية الحرب كان هناك حديث كبير جداً أمريكي وإسرائيلي عن دور الأحزاب الكوردية الإيرانية المعارضة في إسقاط النظام، ترامب قال إنهم لم يشاركوا بل إنهم استولوا على الأسلحة التي سلمناهم، يعني كان في رهان على الكورد الإيرانيين في بداية الحرب؟

مسرور بارزاني: من حق أي طرف أن يقدم تحليله الخاص وأن تكون لديه تصورات أو تطلعات بشأن مآلات أي حدث، لكن فيما يتعلق بهذه الحرب أقولها بكل وضوح وصراحة: لم نكن طرفاً فيها ولن نكون طرفاً فيها.

علي الظفيري: موضوع إسرائيل وعلاقتها مع كوردستان الملتبسة في العالم العربي، هناك حديث عن علاقات كبيرة علاقات مهمة علاقات سرية وما إلى ذلك، كيف ينظر السيد مسرور بارزاني لمسألة العلاقات الخاصة بالإقليم مع إسرائيل؟

مسرور بارزاني: إقليم كوردستان جزء من العراق ولا يتبنى سياسة خارجية مستقلة، لذلك فنحن نلتزم بالسياسة الخارجية للدولة العراقية ونعمل وفق النهج الذي تتبعه الحكومة الاتحادية.

علي الظفيري: إذاً لا توجد علاقات للإقليم بإسرائيل؟

مسرور بارزاني: كما ذكرت، ليست لدينا علاقات معها، والعلاقات الرسمية والسياسة الخارجية من اختصاص الحكومة الاتحادية وليست من صلاحياتنا.

علي الظفيري: الآن السيد مسرور بارزاني أنت رئيس حكومة الإقليم إقليم كوردستان وأنت جزء من العراق الاتحادي الكبير، هناك إشكالية تتعلق بالعراق وموقفه من الحرب، الجيران بدؤوا يتأذون من نشاط الميليشيات، الحشد الشعبي تحديدا، بعض الفصائل غير الحكومية التي تقصف الدول المجاورة، قصفت الكويت والسعودية وقصفت حتى كوردستان، ولا يبدو أن العراق قادر على ضبط هذه المسألة، كيف تنظرون لهذا الأمر؟

مسرور بارزاني: نحن نتبنى السياسة الرسمية للحكومة الاتحادية، ولا سيما موقف السيد الزيدي رئيس الوزراء الذي يؤكد أنه لا ينبغي لأية جماعة خارج إطار الدولة العراقية أن تحمل السلاح أو تمتلك سلطة تهدد أمن العراق أو أمن دول الجوار، ولذلك فإن بعض الأنشطة التي تقوم بها بعض هذه الجماعات تضر بالعراق أولاً قبل أن تضر ببقية جيرانه. وقد رأينا كيف ردت العديد من الدول المجاورة للعراق على الهجمات التي شنتها تلك الجماعات، سواء بالصواريخ ام بالطائرات المسيّرة، وللأسف امتدت هذه الهجمات أيضاً إلى إقليم كوردستان، فعلى مدى الأشهر الماضية تعرضت بنيتنا التحتية وأهدافنا المدنية وحتى قواعدنا لسلسلة من الهجمات المتكررة. وهذا أمر لا بد أن يتوقف، ونحن ندعم رئيس الوزراء بشكل كامل في مساعيه لإخضاع الجميع لسيادة القانون والتأكد من ألا تمتلك أية جهة خارج القوات النظامية التابعة للدولة القدرة على تهديد أمن العراقيين أو أمن الدول المجاورة.

علي الظفيري: هل يبدو أنها أقوى من الدولة؟ هذه الفصائل تهاجم العراق، تهاجم إقليم كوردستان، تهاجم الدول المجاورة، تهدد سوريا، الأردن، الكل يشتكي منها، هل يبدو أنها أقوى من الدولة؟

مسرور بارزاني: لا أستطيع القول إنهم أقوى من الحكومة، لا أعتقد أنه وجدت حتى الآن محاولة جادة لنزع سلاحهم بالقوة، لأن التوجه حتى الآن هو التوصل إلى اتفاق سلمي يضمن أن تقوم هذه الجماعات بتسليم سلاحها أو الاندماج ضمن القوات الأمنية العراقية. إذن لم تحدث محاولة حقيقية لمواجهتهم عسكرياً، وأعتقد أن هذا هو النهج الصحيح لضمان أن تلتزم هذه الجماعات في نهاية المطاف بقوانين الدولة وأنظمتها.

علي الظفيري: هل السيد رئيس الوزراء يفتح باباً للسؤال الكبير المتعلق بالنفوذ الإيراني في العراق؟

مسرور بارزاني: العراق دولة مجاورة لإيران وتشترك معها في حدود طويلة، ولذلك فمن الطبيعي أن تكون بينهما علاقات، لكننا أكدنا دائماً أن هذه العلاقات يجب أن تقوم على أساس الاحترام المتبادل والثقة المتبادلة، فجميع الدول ينبغي أن تحترم بعضها بعضاً وفقاً للأعراف التي تنظم العلاقات فيما بينها وآليات إدارتها. ونرى أيضاً أن على العراق أن يركز على حماية مصالحه الوطنية وتعزيزها، وفي الوقت نفسه فإن إقامة علاقات طبيعية مع جميع دول الجوار هو النهج الطبيعي لإدارة هذه العلاقات، لكن كما قلت يجب أن يكون العراق مستقلاً استقلالاً كاملاً في اتخاذ قراراته وأن يضع مصلحة شعبه ومصالحه الوطنية فوق كل اعتبار.

علي الظفيري: طرفا الحرب الآن الولايات المتحدة الأمريكية وإيران هما لاعبان رئيسيان في صناعة القرار العراقي منذ عام 2003 وإسقاط النظام العراقي، كيف يوازن العراق بين طرفي الحرب والنفوذ الأمريكي والإيراني؟

مسرور بارزاني: كما تعلمون شهد العراق سلسلة من الأحداث التي وضعته في موقف بالغ الصعوبة، فقد سقط النظام السابق ثم جاء الغزو الأمريكي للعراق، وفي البداية وصف ذلك بأنه احتلال، ثم عرفت القوات نفسها بأنها قوات غزو، ومنذ ذلك الحين ظل الوجود العسكري الأجنبي في العراق قائماً بدرجات متفاوتة حتى يومنا هذا. ثم شهدنا صعود الإرهاب، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة وقوات التحالف وبناءً على طلب من الحكومة العراقية إلى العودة مجدداً إلى العراق، كما انضمت إليها أيضاً العديد من الدول الأوروبية الصديقة، وهكذا تواجدت القوات الأجنبية في العراق بهدف مساعدته على مواجهة التهديدات والقوى الخارجية. وبالطبع حاولت إيران أيضاً لنقل أن تزيد من نفوذها كلما سنحت لها الفرصة ورأت في تلك الظروف وسيلة لتعزيز حضورها وزيادة تأثيرها داخل العراق، وقد وضع ذلك العراق في موقف بات عليه أن يدير هذه العلاقة، فمن جهة ترتبط العراق علاقات صداقة بجميع هذه الدول التي ساعدته في الماضي، ومن جهة أخرى توجد الكثير من القواسم المشتركة التي تربط العراق بإيران، فلدينا الكثير من القواسم المشتركة التي تقرب بين البلدين مثل الدين والجغرافيا والتاريخ، لذلك يتعين على العراق أن يدير هذه العلاقة، لكن من وجهة نظري ينبغي أن تأتي المصلحة الوطنية للعراق فوق كل اعتبار.

علي الظفيري: السيد الرئيس، واين تتجه الحرب؟

مسرور بارزاني: من الصعب جداً التنبؤ بذلك، أعلم أنها ستنتهي يوماً ما، لكن السؤال هو متى؟ لا أعرف على وجه التحديد ولا أعلم كم عدد الأرواح التي ستزهق أو كم من البنية التحتية سيتدمر أو كم من الوقت سيضيع قبل أن تنتهي هذه الحرب.

علي الظفيري: توٌسع أم نهاية قريبة؟

مسرور بارزاني: لا أستطيع التنبؤ، لا أعرف، توجد الكثير من الأحاديث بطبيعة الحال، فالناس يتحدثون عن السيناريوهات وما الذي سيحدث، وإذا كانت الحرب ستفضى إلى نتيجة أفضل أو إذا كانت التسوية السلمية والمفاوضات ستؤدي إلى نوع من التسوية السلمية بين الولايات المتحدة وإيران. إذن توجد كثير من التكهنات، لكن من وجهة نظري لا يوجد شيء مؤكد على الأقل بالنسبة لي، لهذا من الصعب جداً علي أن أتنبأ بما سيحدث.

علي الظفيري: إقليم كوردستان لديه مشاكل اقتصادية كثيرة سابقاً، ما هي التأثيرات المباشرة للحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية على الإقليم؟

مسرور بارزاني: حسناً، يوجد تأثير مباشر وتأثير كبير على اقتصادنا، كما تعلمون الحكومة العراقية تدير دولة تعتمد على تصدير النفط، ومع إغلاق مضيق هرمز أصبح العراق غير قادر على تصدير نفطه، وقد أثر هذا سلباً في الاقتصاد العراقي الذي نحن جزء منه، ولذلك فمن المؤكد أنه عندما يتأثر العراق فإننا نتأثر بذلك بشكل مباشر. كما أن بعض هجمات الطائرات المسيرة والصوارخ أدت إلى تباطؤ الأنشطة الاقتصادية في إقليم كوردستان في الأشهر القليلة الماضية، كذلك تراجعت التجارة مع الدول الأخرى بشكل ملحوظ، ويمكننا القول إن أكثر من 70% من حجم تجارتنا أصبح أقل مما كان عليه في السابق. إذن فإن هذا يؤثر بالتأكيد في اقتصاد إقليم كوردستان، وإذا استمرت هذه الحرب فأعتقد أن الوضع لن يزداد إلا سوءاً ليس بالنسبة إلى إقليم كوردستان والعراق فحسب، بل بالنسبة إلى المنطقة بأسرها، وكما ترون فإن العديد من دول العالم تتأثر أيضاً بهذه الحرب المستمرة.

علي الظفيري: ألا يعيد هذا النقاش حول مسألة النفط وحقول النفط وتصدير كوردستان لمسألة.. يعني كوردستان خيار ممتاز جداً لا يتأثر بالخليج العربي ومرور النفط عبر مضيق هرمز وما إلى ذلك، رئة أخرى، ألا يعيد هذا الأمر -هذه الحرب والصعوبات الاقتصادية- النقاش بشأن مسألة النفط؟

مسرور بارزاني: قلنا ذلك بصراحة ووضوح، إن إقليم كوردستان مستعد لمساعدة بغداد بأية طريقة نستطيعها، نحن ندعم رئيس الوزراء الزيدي دعماً كاملاً وسنفعل كل ما بوسعنا لدعم اقتصاد البلاد، لكن علينا أن نكون واقعيين، فقد كان العراق يصدر أكثر من 4 ملايين برميل من الجنوب، ما نملكه في إقليم كوردستان لا يمكن أن يعوض هذه الخسائر، فنحن لا نستطيع إنتاج أكثر من 300 ألف برميل، وربما 400 ألف إذا توفرت استثمارات إضافية. إلى جانب ذلك ربما يوجد ما يقارب 300 ألف برميل من كركوك، وحتى إذا تمكنت الحكومة الاتحادية من تحويل جزء من صادراتها من مناطق أخرى في البلاد عبر إقليم كوردستان إلى تركيا، ولنفترض أننا وصلنا إلى مليون برميل، فإن ذلك لا يزال غير كافٍ، فالعراق يحتاج إلى تصدير كميات أكبر من ذلك من النفط لتعويض الخسائر في إيراداته. لذلك نعم، إقليم كردستان مستعد للمساعدة ويمكنه أن يخفف من حجم الأعباء، لكنه لا يستطيع أن يحل المشكلة بالكامل.

علي الظفيري: إلى أي رقم يمكن أن يصل التصدير عبر كوردستان للإنتاج؟

مسرور بارزاني: كما أوضحت، فإن إقليم كوردستان يحتاج إلى مزيد من الاستثمارات لزيادة الإنتاج، لكن التهديدات الحالية والهجمات التي استهدفت البنية التحتية النفطية وآبار النفط والمصافي في السابق من قبل بعض هذه الجماعات جعلت من الصعب جداً على شركات النفط أن تعود للاستثمار أو حتى أن تواصل عملياتها، ولم تتمكن هذه الشركات من العودة إلى الإنتاج واستئناف عملياتها إلا مؤخراً بعد الضمانات التي قدمها لها رئيس الوزراء الزيدي والحكومة العراقية ووزارة النفط. لكن الوصول إلى الطاقة الإنتاجية القصوى يحتاج إلى وقت، أما زيادة الإنتاج فهي تتطلب استثمارات إضافية، وهذا يحتاج أيضاً إلى بعض الوقت، لكن الطاقة الإنتاجية المتاحة هنا لا تزال أقل بكثير مما يستطيع العراق إنتاجه في الجنوب. لهذا من الضروري أن يسهم إقليم كوردستان في تقديم المساعدة، وأيضاً أن يتمكن العراق من تصدير نفطه حتى يحقق إيرادات كافية تضمن استمرار عمل الاقتصاد.

علي الظفيري: لكن هذا يستلزم حل إشكاليات قانون النفط، مسألة إعادة التفكير في مسألة حق الإقليم في إنتاج النفط وتصديره وما إلى ذلك؟

مسرور بارزاني: نعم بالطبع، لكن للاسف لا يزال قانون النفط غير موجود حتى الآن، وإقراره سيستغرق بعض الوقت لأن الأمر يعود إلى مجلس النواب للبت فيه. وهذا القانون ضروري، فنحن بحاجة إلى قانون للنفط والغاز يحدد بصورة واضحة حقوق كل طرف، وبالطبع لدينا الدستور وهو ينص بوضوح على حقوق الإقليم وحقوق الحكومة الاتحادية، لذلك ليست لدينا أية مشكلة مع الدستور. فقد تناول هذه المسألة بالفعل ويوجد اتفاق بشأنها، لكننا حتى الآن ليس لدينا قانون، وما زالت الحكومة العراقية تستند إلى قانون يعود إلى عام 1975 وهو قانون ألغي لأنه يعود إلى عهد النظام السابق، وحتى الآن لا يوجد أي قانون. لقد تغير النظام وتحول العراق من دولة ذات نظام مركزي إلى دولة اتحادية.

علي الظفيري: والقانون ما زال موجوداً؟

مسرور بارزاني: لكن القوانين ما زالت كما هي، وهذا أحد الأسباب التي تجعلنا لا نزال نواجه بعض المشاكل.

علي الظفيري: أريد من السيد رئيس الوزراء مسرور بارزاني تقييم هذه العلاقة مع الحكومة الاتحادية، هناك الآن إقليم يتمتع بقدر عالٍ من الاستقلالية بقوانينه ولكنه جزء من العراق الفيدرالي الاتحادي الكبير وهناك مشاكل، ما هي أبرز الإشكاليات التي لم يتجاوزها الكورد والحكومة الاتحادية، خلينا نعددها كنقاط أساسية؟

مسرور بارزاني: تكمن أكبر مشكلة في تبني النظام الاتحادي، فما زال يوجد أشخاص في بغداد لا يؤمنون بالنظام الاتحادي أو أنهم حتى لا يفهمونه، كما أن النظام الاتحادي لم يطبق بالشكل الذي كان ينبغي أن يطبق به، وأعتقد أن هذه هي المشكلة الأكبر، فالعديد من مواد الدستور لم تتحول إلى قوانين، ولذلك كانت توجد محاولات لتجاهل بعض المواد المنصوص عليها في الدستور، وهي مواد أساسية جداً لتنظيم العلاقات بين بغداد وكوردستان وتطبيقها. وهذا هو السبب في استمرار بعض المشكلات، لأنه توجد تفسيرات خاطئة أو تفسيرات مختلفة لبعض أحكام الدستور بين الجانبين، لذلك من وجهة نظرنا لو طبق الدستور بالشكل الذي كان ينبغي أن يطبق به ولو احترمت جميع الأطراف النظام الاتحادي لكانت المشكلات بيننا في حدها الأدنى.

علي الظفيري: لكنه لم يطبق كما..؟

مسرور بارزاني: لا إطلاقاً، وأنا لا ألقي باللوم على حكومة بعينها أو على شخص بعينه، وإنما أقول إن هذه كانت المشكلة منذ عام 2005، منذ إقرار الدستور إلى اليوم، إذ لم يلتزم العراق بتطبيق الدستور أو لم يطبقه بالشكل الذي كان ينبغي أن يطبق به.

علي الظفيري: العقل الاتحادي الفيدرالي يختلف عن العقل الوطني الشمولي صحيح؟ العقل الحاكم في بغداد بشكل عام، نقصد النخبة السياسية ليست فيدرالية إلى حد كبير؟

مسرور بارزاني: ليس الجميع، فكثيرون يتفهمون ذلك جيداً ويوجد من يدرك أهمية تحول العراق إلى نظام اتحادي، كما أن كثيرين يفهمون مزايا هذا النظام مقارنة بالنظام المركزي. وفي الواقع من خلال حواراتنا مع العديد من المحافظات في أغلب أنحاء البلاد، وجدنا أنهم جميعاً يعانون من هذه العقلية المركزية، فالمركزية ليست دائماً الخيار الأفضل للبلاد، وأحياناً تكون اللامركزية وتقاسم السلطة مع الآخرين هي الطريق الأفضل للمضي قدماً.

علي الظفيري: تقاسم السلطة يخشى منه بعضهم لأنه قد يؤدي إلى انفصال في نهاية المطاف؟

مسرور بارزاني: هذا غير صحيح، لأنه توجد العديد من النماذج الناجحة جداً في العالم لدول تتبنى النظام الاتحادي وهي دول قوية للغاية، انظر إلى ألمانيا، وانظر إلى الولايات المتحدة، وانظر مثلاً إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، وانظر إلى سويسرا.. يمكنك أن تجد العديد من الدول الاتحادية الناجحة. لذلك فالمشكلة ليست في النظام نفسه وإنما في عقلية بعض الأفراد الذين للاسف يسيئون فهم هذا النظام ويحاولون فرض أيديولوجية مختلفة. وفي الواقع إذا عدنا إلى عام 2005 فقد كان لدينا الدستور، وهذا الدستور يمثل -إذا جاز التعبير- حزمة من التسويات التي توصلت إليها جميع الأطراف، ونحن في كوردستان قدمنا الكثير من التنازلات من أجل الوصول إلى النظام الاتحادي، لذلك فإن النظام الاتحادي لا يلبي بالضرورة جميع مطالب كل طرف، لكنه أفضل نظام متاح.

علي الظفيري: دعنا نحدد القضايا: الأراضي المتنازع عليها، قانون النفط والغاز، ماذا أيضاً؟ الإشكاليات التي تعبر عن عدم تقدم الفيدرالية كما يجب؟

مسرور بارزاني: دعني أكرر مرة أخرى أن الإيمان بالنظام الاتحادي ذاته والاقتناع بأنه أفضل نظام للمضي قدماً كفيل بحل كل ما عدا ذلك، ما نتحدث عنه هو المادة 140 المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها أو بقانون النفط والغاز ومسائل مثل التجارة والضرائب وغيرها، فهذه كلها قضايا لا تزال عالقة، والسبب هو اختلاف العقليات. فيوجد من يعتقد أن كل شيء يجب أن يكون مركزياً، ولذلك جرى تجاهل بعض هذه المواد ولم تعالج قضية المناطق المتنازع عليها بالشكل الصحيح منذ عام 2005، أعني أن الدستور حدد إطاراً زمنياً كان ينبغي خلاله حل هذه القضية، وأعتقد أن كثيراً من مشكلاتنا مع بغداد كانت ستحل لو جرى تنفيذ المادة 140، كما أن قانون النفط والغاز كان سيعالج الخلافات المتعلقة باستخدام النفط والغاز على مر السنين، لكننا لا نملك هذا القانون ولذلك ما زلنا نواجه هذه المشكلات. أما فيما يتعلق بنظام الضرائب، فما هي صلاحيات الحكومة الاتحادية وماذا عن الأقاليم والمحافظات وما مقدار الضرائب التي تعود إلى هذا الإقليم؟ هذه أمور لم تحسم بعد ولم تتضح حتى الآن.

علي الظفيري: هناك إنموذجان: الإنموذج الكوردستاني نموذج إقليم كوردستان وإدارته منذ 2005 حتى اليوم، وهناك إنموذج الحكومة المركزية أو الاتحادية في بغداد. بعضهم يتحدث أن نموذج إقليم كوردستان فيه تطور وحداثة أكثر، على صعيد الرقمنة الحوكمة الخدمات النهضة جذب الاستثمارات، ومنها أريد أن أنطلق لرؤية السيد مسرور بارزاني الاقتصادية الإصلاحية، هل تراهنون على هذا الأمر؟ ماذا يحمل مشروعكم للإصلاح الاقتصادي، وما هي الفوارق بينكم وبين الحال في الحكومة الاتحادية ببغداد؟

مسرور بارزاني: دعنا لا ننسى أننا بدأنا منذ عام 1991 بعد الانتفاضة، بينما بدأت بغداد بعد سقوط نظام صدام عام 2003، أي أن الفارق كان 12 عاماً.

علي الظفيري: يعني في 15 سنة على ما استقرت الأمور في 2005 بعد.

مسرور بارزاني: لكن منذ عام 2003 وحتى اليوم كان يوجد وقت كافٍ للحاق بالركب أو لإنجاز الكثير من الأمور ولا سيما بالنسبة إلى بغداد، والعراق بوصفه دولة ذات سيادة ودولة مستقلة أعني أنهم قادرون على القيام بالكثير، كما أن العراق يمتلك موارده الطبيعية الخاصة وهو من أغنى دول العالم من حيث الموارد الطبيعية، وكذلك من حيث موارده البشرية وموقعه الاستراتيجي. لذلك فالعراق بلد مهم جداً ولن ينهار لأنه يمتلك جميع المقومات التي تمكنه من النهوض مجدداً وتحسين الأوضاع، كل ما يحتاج إليه هو الإدارة السليمة واتخاذ القرارات الصحيحة، ونأمل أن تتخذ هذه القرارات في ظل قيادة رئيس الوزراء الزيدي، لهذا ندعم دعماً كاملاً كل مبادراته التي يطرحها.

علي الظفيري: خذها مني السيد بارزاني، أريد الواقع.

مسرور بارزاني: كما قلت يوجد فرق، فيوجد اختلاف بين إقليم كوردستان وبقية أنحاء العراق، ففي إقليم كوردستان تمكنا من المضي في الإصلاح الاقتصادي أو الإصلاح بشكل عام ومكافحة الفساد وتنويع الاقتصاد، وقد حققت هذه الخطوات جميعها نتائج إيجابية. وركزنا بشكل كبير على رقمنة الخدمات، ولتحقيق ذلك كان علينا جمع البيانات حتى لا نبني قراراتنا على تحليلات فردية بل على قواعد بيانات نجمعها، ولذلك فإن كل قرار يتخذ يستند إلى تحليل علمي للوضع. وثانياً سعينا إلى تنويع الاقتصاد حتى لا نعتمد فقط على النفط أو صادراته، وكما نرى فقد أدى توقف صادرات النفط إلى دخول البلاد في أزمة، ولهذا استثمرنا بشكل كبير في القطاع الزراعي وإنشاء صناعات مختلفة وبناء المصانع وتشجيع السياحة وإيلاء اهتمام كبير بقطاعي التعليم والصحة. وبذلك ركزنا على عدد من المجالات التي يمكن من خلالها تنويع اقتصادنا وضمان تحقيق إيرادات أكبر لا تعتمد كلياً على النفط والغاز. وأعتقد أن هذا النهج مطلوب أيضاً على نطاق أوسع في العراق كله، فالعراق يمتلك موارد أخرى إلى جانب النفط والغاز، كما ينبغي إدارة عائدات النفط والغاز بصورة أفضل، فجزء كبير من أموال الدولة يذهب إلى الرواتب ويوجد إنفاق كبير يحتاج إلى إدارة أفضل إذا كانت البلاد تريد أن تحقق التنمية، وبدلاً من توظيف المزيد من الأشخاص في القطاع العام كل عام، ينبغي تشجيع القطاع الخاص وتعزيز دوره. بالمناسبة، منذ عام 2013 لم يعد يسمح بالتعيين في الوظائف الحكومية في إقليم كوردستان، وإنما اقتصر الأمر على نظام العقود، لكن هذه القيود مفروضة في إقليم كوردستان دون بقية أنحاء البلاد. وهذا الأمر يحتاج إلى إدارة أفضل، أعني أنه ينبغي التركيز على تعزيز القطاع الخاص، كما ينبغي الاهتمام بالقطاع المصرفي على سبيل المثال لأنه ضروري للاستثمار ولا غنى عنه لنمو أغلب الأنشطة التجارية ولتهيئة بيئة يشعر فيها الناس أنهم لا يحتاجون إلى أن يكونوا موظفين حكوميين فقط من أجل تأمين مستقبلهم، وهذا ما قمنا به في إقليم كوردستان. وتوجد أيضاً العديد من الأمور الأخرى التي أنجزناها وأثبتت نجاحها مثل مشاريع الكهرباء ومشاريع المياه.

علي الظفيري: من يؤثر على الآخر؟ يعني هم يجذبونكم في الحكومة الاتحادية أم أنتم تحاولون جذب الحكومة الاتحادية إلى آفاق أفضل؟ خاصة إنه ليس لديكم موازنة مستقلة. الإشكاليات الفيدرالية أنكم تتبعون تماماً الموازنة والاقتصاد.

مسرور بارزاني: مررنا بمراحل عدة في الواقع، فقد كان يوجد أشخاص في بغداد يؤمنون تماماً بأن كل شيء يجب أن يدار بشكل مركزي، في المقابل يوجد من ينظر إلى إقليم كوردستان بوصفه إنموذجاً ناجحاً ويحاول الاستفادة من نجاحاته وربما تكرار هذه التجربة.

علي الظفيري: من يستثمر في كوردستان؟ من هم كبار المستثمرين دولاً أو..؟

مسرور بارزاني: نعم لدي بالطبع عدد كبير من المستثمرين المحليين من أبناء إقليم كوردستان، وقد كانوا بالفعل طوق النجاة لاقتصادنا في الأوقات الصعبة، ولا بد أن أعبر عن بالغ امتنان لجميع المستثمرين ورجال الأعمال في إقليم كوردستان وللقطاع الخاص الذين أنجزوا هذه المشاريع كلها بجهودهم الخاصة ومن دون أن يتلقوا دعماً كبيراً من الحكومة. ولدينا أيضاً مستثمرون من خارج الإقليم، لدينا مستثمرون أمريكيون وأوروبيون ولا سيما في قطاعي النفط والطاقة وكذلك في القطاع الزراعي، كما تربطنا شراكات مع العديد من دول العالم مثل هولندا وألمانيا.

علي الظفيري: من الشريك الاقتصادي الأول في الإقليم على صعيد الأعمال والاستثمارات وأشياء كثيرة؟

مسرور بارزاني: تركيا.

علي الظفيري: تركيا؟

مسرور بارزاني: نعم، هي صاحبة أكبر عدد من المستثمرين.

علي الظفيري: كيف علاقتكم مع تركيا؟

مسرور بارزاني: علاقاتنا مع تركيا جيدة جداً ويوجد تفاهم جيد بيننا، وقد قدم كل منا الدعم للآخر على مختلف المستويات، كما تربطنا علاقات تجارية ونشاط اقتصادي واسع.

علي الظفيري: ما هي المشاكل العالقة بينكم وبين تركيا؟ موضوع حزب العمال، موضوع الاستهداف، التدخلات العسكرية وما إلى ذلك؟

مسرور بارزاني: حسناً، وجدت هذه المشكلات بطبيعة الحال، فقد كانت تحدث مواجهات واشتباكات على حدودنا، ونتيجة لهذا الصراع المستمر لا تزال 300 قرية من قرانا مدمرة ولم نتمكن من إعادة إعمارها بسبب استمرار الحرب والمواجهات على المنطقة الحدودية بيننا وبين تركيا. فبالتأكيد كانت توجد مشكلة، لكن ولحسن الحظ شهدت تركيا خلال العامين الماضيين مبادرة للسلام، وقد كنا داعمين بقوة لهذه المبادرة ونأمل أن تقود إلى المزيد من التسويات والاتفاقات السلمية وإلى تعزيز الأمن.

علي الظفيري: تركيا فيها أكبر مكون كوردي، 20 إلى 30 مليون الأرقام، وإذا حسمت المسألة الكوردية تركياً ربما تساهم في تبريد المسألة، كيف ترى المسألة الكوردية التركية؟

مسرور بارزاني: هم لديهم طريقتهم الخاصة في معالجة هذه المشكلات، ومن الواضح أن للكورد في تركيا تطلعاتهم الخاصة، ونحن لم نكن إلا داعمين لأي اتفاق سلمي بين الحكومة والأفراد، وليس جميع الكورد ينتمون إلى حزب سياسي واحد، فيوجد أيضاً كورد ينتمون إلى الحزب الحاكم اليوم. ولذلك نعم فإن معالجة القضية الكوردية في تركيا تعد أمراً مهماً للمساعدة في التوصل إلى حل نهائي للكورد في المنطقة بأسرها.

علي الظفيري: في سوريا حدث تطور كبير جداً، سقط النظام السوري وجاء الرئيس الشرع ويبدو أنه تقدم كثيراً في الموضوع مع قسد وحسم قسد ودمجها في الدولة، وحديث عن معالجة مظلومية المواطنين السوريين الكورد بشكل ما، كيف ينظر السيد مسرور بارزاني رئيس حكومة إقليم كوردستان لهذه المسألة؟

مسرور بارزاني: نحن نعتقد أن سوريا قد بعثت من تحت الرماد، فقد مرت بظروف بالغة الصعوبة، وأعتقد أن ما تحقق خلال العامين الماضيين كان إيجابياً وبناءً إلى حد كبير. من الواضح أنه لا تزال توجد مشكلات، لكننا كنا داعمين بقوة للمحادثات والحوار بين دمشق والكورد في سوريا. وقد وجه الرئيس بارزاني دعوات في هذا الإطار كما كان له دور فاعل في المساعدة على استمرار هذه المحادثات والحوار، وتوجد الآن علاقة جيدة آخذة في التطور بين أربيل ودمشق، لذلك فإننا ندعم أية مبادرة أو خطوة إيجابية وبناءة من شأنها أن تفضي في نهاية المطاف إلى إنهاء المشكلات القائمة في سوريا وحلها.

علي الظفيري: هل تعتقدون أن النظام السوري الجديد جاد في حل المسألة الكوردية؟ المسائل العالقة، الجنسية، الحقوق وما إلى ذلك؟

مسرور بارزاني: حسناً، لقد اتخذوا بالفعل قراراً بمنح الكورد الجنسية، ونعم لقد رأينا أنهم جادون جداً في ذلك حتى الآن، فقد أصدر الرئيس الشرع توجيهاً بمنح الكورد الجنسية، لا أعلم ما إذا كانت الإجراءات اكتملت لكنني أعلم أنه اتخذ هذا القرار.

علي الظفيري: هل تعتقدون أنكم في الإقليم معنيون بأية قضية كردية في أي بلد محيط؟

مسرور بارزاني: بالطبع، فهم من أبناء جلدتنا وهم إخوتنا، ويوجد الكثير من التواصل والكثير من المصالح المشتركة بيننا، نحن نحترم خصوصيتهم ونحترم أنهم يعيشون في دولة أُخرى، لكننا بالطبع ندعم حقوقهم دعماً كاملاً بالطرق المقبولة وبالطريقة التي تمكنهم من التوصل إلى اتفاق مع حكوماتهم.

علي الظفيري: هل استعانت بكم الإدارة السورية الجديدة في إدارة الإشكاليات مع قسد أو في التعامل مع المسألة الكوردية بشكل ما؟

مسرور بارزاني: كانت توجد محادثات بالفعل وأدينا دوراً بناءً في تقريب وجهات النظر بين الطرفين.

علي الظفيري: هل يبدو الوضع أفضل اليوم مقارنة بالوضع الذي كان عليه في النظام السابق، فيما يتعلق بالكورد؟

مسرور بارزاني: حتى الآن نعم، هذا ما رأيناه، ففي الماضي مررنا بمرحلتين مختلفين، كانت توجد مرحلة شهدت إنكار وجود الكورد في سوريا، ثم جاءت مرحلة تنظيم داعش حين اضطر الكورد في المناطق التي كانوا فيها إلى قتال هذا التنظيم، واليوم دخل جميع السوريين بمن فيهم الكورد مرحلة مختلفة، فيوجد كورد يشغلون الآن مقاعد في مجلس الشعب وكورد يتولون مناصب وزارية في الحكومة الجديدة، ونحن نعلم أن هذه المشكلات لن تحل بين ليلة وضحاها، فما زالت هناك قضايا تحتاج إلى معالجة، لكن الأهم هو بناء الثقة، فبمجرد ترسيخ الثقة أعتقد أن ذلك سيفتح الطريق أمام تواصل أفضل والتوصل إلى اتفاقات أفضل أيضاً.

علي الظفيري: السيد بارزاني المسألة الكوردية في هذه الدول محدد رئيسي لعلاقاتكم معها؟

مسرور بارزاني: لدينا علاقاتنا الخاصة مع دول الجوار جميعها، سواء مع تركيا ام سوريا أو إيران أو الأردن أو السعودية أو الكويت، أما الدول التي نتشارك معها حدوداً مباشرة فهي سوريا وتركيا وإيران، ولدينا علاقات مع هذه الدول جميعها، لكن من المؤكد أن العنصر الكوردي يعد أحد العوامل المهمة في تشكيل علاقاتنا مع هذه الدول.

علي الظفيري: ما نسمع عن الكورد الإيرانيين، يعني ما نسمع عن المسألة الكوردية في إيران؟ المسألة الكوردية في تركيا قضية أساسية، وسوريا كانت قضية رئيسية، إيران ما نسمع ملف الكورد؟

مسرور بارزاني: إنهم تعاملوا مع الكورد كلٌّ بطريقته الخاصة، فعلى سبيل المثال ظلت تركيا لمدة طويلة تنكر وجود الكورد، لكن خلال العقدين الماضيين ولا سيما في ظل الحزب الحاكم الحالي وحتى الأحزاب المعارضة التي كانت تتخذ مواقف متشددة ضد الكورد، أصبح الجميع يقر اليوم بأن الكورد ليسوا موجودين فحسب بل إنهم يشكلون جزءاً مهماً وأساسياً من تركيا وأنه لا بد من إيجاد سبيل يمكن الجميع من العيش معاً وأن يكونوا مواطنين صالحين. أما في إيران، فهناك على سبيل المثال محافظة تدعى كوردستان، لكن مشاركة الكورد ولا سيما على المستوى الحكومي لنقل كانت محدودة، إذن كان لديهم أسلوبهم الخاص في التعامل مع الكورد، وبالطبع توجد الكثير من الحقوق التي يطالب بها الكورد في إيران ويشعرون أنهم محرومون منها وهذا أمر يخصهم، ونحن ندعم أن يتمتع الكورد بحقوق متساوية أينما كانوا وفي أي دولة يعيشون فيها، فلا ينبغي أن يكونوا مواطنين من الدرجة الثانية بل يجب أن يكونوا مواطنين كاملي الحقوق وأن يعاملوا بمساواة، وأعتقد أن ذلك من شأنه أن يحل كثيراً من المشكلات القائمة في أي بلد بغض النظر عن مكان وجودهم.

علي الظفيري: المثل الذي يعجبني والذي بدأنا به الحلقة “لا صديق للكورد سوى الجبال”، فيه إشارة لحالة الصراعات والحرب، الآن الجيل الشاب على ماذا يراهن؟ انتهى زمن الحروب بين الدول، أصبح الحديث عن المواطنة المتساوية والحقوق المتساوية للكورد، سواء في إقليمهم أو الدول التي يعيشون فيها، على ماذا يراهن السيد مسرور؟

مسرور بارزاني: انظر، إن كثيراً من الشباب وأبناء الجيل الجديد لا يعرفون معنى الاضطهاد، ولا يعرفون ما هي عمليات الأنفال أو القصف الكيميائي على سبيل المثال في العراق، وهم لا يعرفون ذلك لأنهم ولدوا بعد تلك الأحداث بسنوات طويلة، فكثير منهم ولد عندما كان إقليم كوردستان كياناً اتحادياً، لذلك فقد عاشوا هذه السنوات كلها في أجواء من الحرية، كما أنهم يتمتعون ببيئة الوصول إلى الإنترنت وإلى العالم، ويعرفون ما يجري في أستراليا والولايات المتحدة وأوروبا وأفريقيا ومختلف أنحاء العالم، فالناس اليوم لديهم سهولة في الوصول إلى المعلومات ولذلك هم على دراية بما يحدث. طموحات الجيل الجديد مختلفة، فكما تعلم لم يعد يعيشون تحت وطأة الضغوط، بل يسعون إلى حياة أفضل ويحاولون بناء نظام أفضل وينظرون إلى الدول المتقدمة بوصفها نماذج يتطلعون إليها، لذا فهم يقارنون أنفسهم بأفضل النماذج في العالم ومن هنا تأتي توقعاتهم المرتفعة، وهذا يجعل مهمتنا أكثر صعوبة إلى حد ما لأن علينا أن نوازن بين الواقع وتوقعات الجيل الشاب، لكني أستطيع أن أقول لك إن لدينا جيلاً شاباً ينبض بالحيوية ويتمتع بقدر كبير من الذكاء ويحظى بتعليم جيد جداً، وأنا متفائل للغاية ولدي أمل كبير في مستقبله.

علي الظفيري: السيد مسرور مسعود بارزاني رئيس حكومة إقليم كوردستان العراق، شاكر ومقدر وجودك في المقابلة، وأمنياتنا للعراق ولكوردستان وللجميع بأوضاع أفضل بشكل عام، شكراً جزيلاً.

مسرور بارزاني: شكراً جزيلاً.

علي الظفيري: مشاهدينا الكرام شكراً لكم وأنتم على طيب المتابعة، ألقاكم إن شاء الله في الحلقة القادمة من جديد، دمتم بخير وفي أمان الله.

قد يعجبك ايضا