*ماهين شيخاني
البداية: حين كان الطنبورة أصدق من الكلام
في بلدةٍ كانت تهمس للحدود خلف أسلاك شائكة، وحقولها الذهبية تمدّ أذرعها نحو السماء كأنها تتعلم العزف على أوتار الضوء، هناك، في قلب الدرباسية، بدأ حلمٌ لم يكن يعرف أنه سيُغني يومًا في هوليوود.
كانت سبعينيات القرن الماضي، أياماً لا تشبه غيرها. السينما تدوخ العالم بأفلامها، وأغاني عدوية وفهد بلان تملأ الشوارع، ومقهى الميماس يحتضن المبدعين كما تحتضن الأرض البذور. وفي خضم هذا الجمال الفوضوي، كان سمير رزقو – كما كان يُعرف حينها – يمسك طنبورته، ويُخرج منها ألحاناً تجمع بين وجع الكلمات وجمال الصمت.

ليس وحده كان. رفاق دربٍ من طراز خاص: بشار العيسى، ذلك الفنان التشكيلي الذي سيكون له شأن آخر في فرنسا؛ إدريس الهلالي، الشاعر الأديب الذي يكتب الحروف كما تُزرع السنابل؛ رمضان نجيم، الفنان الكردي الذي يحمل في روحه نكهة الجبال. وكان محمود عزيز من رأس العين يزوره أحياناً، وسعيد يوسف من القامشلي يأتي مُحمّلاً بألحانه، كأنما كانت الدرباسية موعداً للفنانين، ومقهى الميماس قبلةً للعشاق والمبدعين.
كانت حياةٌ جميلة، بكل ما تحمله الكلمة من نعومة وصخب. السينما في ذاك الزمن كانت نافذةً على العالم، والذين يديرونها – قيا أو يوسف برجس – لم يكونوا مجرد موظفين، بل حرّاساً للجمال في بلدةٍ كانت في أقصى الشمال. حتى اليوم، وفي أميركا البعيدة، يردّد سمير: “لا يوجد أحلى من مقهى الميماس”… كلماتٌ تخبرك أن الذاكرة أقوى من أي غربة.
دمشق: محطة العمر التي غيرت المسار
في عام 1972، غادر سمير الدرباسية إلى دمشق. كان حاملاً طنبورته، وحمّال أحلامٍ أكبر من كل الطرق الضيقة. هناك، في العاصمة التي تزحمها الأصوات والأضواء، بدأ فصلٌ جديد.
أصبح عضواً في نقابة الفنانين، وانضم إلى الإذاعة والتلفزيون كمطرب منفرد. ثم عمل سنوات مع فرقة الإذاعة والتلفزيون، مطرباً ومردداً. لكن الطريق، كما يعرف كل فنانٍ محلي، لم يكن مفروشاً بالورود. كان صعباً، وعرة، مليئاً بالمنافسة. ومع اندلاع الحرب اللبنانية، نزح فنانو لبنان إلى سوريا، فأصبح المشهد أكثر ازدحاماً، والمنافسة أشرس.
لكن سمير كان يملك شيئاً لا يملكه غيرُه: بصمةً صوتيةً لا تخطئها الأذن، وطنبورةً تعرف كيف تبكي وتضحك في آن واحد. في أرشيف الإذاعة والتلفزيون، لا تزال هناك عشرة أغنياتٍ مسجلةٍ تحت اسم “سمير رزق”. نعم، ليس “رزقو”، بل “رزق”… لأن الملحن الكبير عبد الفتاح سكر، رئيس دائرة الموسيقى آنذاك، نصحه بأن يكون اسمه أكثر “فنية”. وكأنما بتلك النصيحة، لم يتغير الاسم فقط، بل بدأت مرحلةٌ جديدةٌ من حياة فنانٍ كان يكتب مصيره بحرفٍ مختلف.
الهجرة: من مونتريال إلى هوليوود.. والذاكرة في الحقيبة
في عام 1981، وبعد رحلةٍ فنيةٍ في دمشق استمرت قرابة العقد، اتخذ سمير قراراً آخر: مغادرة سوريا إلى كندا. هناك، في مونتريال، حصل على عقد غناءٍ لمدة عام. لكن أميركا كانت تنتظره.
انتقل إلى هوليوود، مدينة الأحلام والنجوم، حيث الضوء لا ينطفئ، وحيث كل شارع يحمل وعداً بفيلم أو أغنية. لم يتوقف هناك، بل جال في الولايات المتحدة، وغنى في مدنها، وحمل اسم الدرباسية معه حيثما حلّ. كأنما كان يحاول أن يقول للعالم: “هذا الصوت قادمٌ من بلدةٍ صغيرة، لكنّه كبيرٌ بما يكفي لملء القارات.”
الجذور: عائلة يامين ورزقو.. ونبض الدرباسية
ينتمي سمير إلى عائلة يامين ورزقو، تلك العائلة التي توزع أبناؤها اليوم في أميركا، وأستراليا، وأوروبا. لكنه، رغم كل هذه المسافات، لم يتخلَّ لحظةً عن شعوره بالانتماء. يقول في أحاديثه، وكأنه يكتب وصيته الروحية:
“لكم كل محبة وتقدير، إخواني أبناء الدرباسية الكرام.”
كلماتٌ ليست مجرد مجاملة، بل هي اعترافٌ بأن الجذور أقوى من الرحيل، وأن الحنين إلى تلك البقعة الصغيرة، حيث السنابل تهمس للريح وحيث كان الطنبورة أصدق من الكلام، يظل نابضاً في القلب مهما تطايرت الخطى.
خاتمة: بصمةٌ لا تُمحى
سمير رزق ليس مجرد اسمٍ في أرشيف الإذاعة، ولا مجرد صوتٍ غنى في هوليوود. هو جزءٌ من ذاكرة الدرباسية الفنية، حلقةٌ في سلسلةٍ من المبدعين الذين خرجوا من تلك البلدة الحدودية ليحملوا ألوانَها وألحانَها إلى العالم. هو شاهدٌ على زمنٍ كانت السينما فيه نافذةً، والميماس محطةً، والطنبورة لغةً لا تحتاج إلى ترجمة.
وفي النهاية، يبقى السؤال: كيف لبلدةٍ صغيرةٍ أن تنجب هذا الكم من المواهب؟ ربما يكون الجواب في هواءها، في سنابلها، في أسلاكها الشائكة التي جعلت من يراها يحلم بالخروج، لكنه يظل يعود إليها في كل أغنيةٍ يغنيها.
لأن الدرباسية، كما يعرف سمير رزق وأمثاله، ليست مجرد مكانٍ على الخريطة… بل هي وطنٌ يُحمَل في الصوت، ويُغنى في كلّ زاويةٍ من زوايا العالم.