أفق التنوير.. الفيلسوف زهير الخويلدي يفكك علل العقل العربي ويستنطق الكونية

 

 

الجزء الثاني والأخير

 

أجرى الحوار عطا درغام- كاتب من مصر

حين يستبد السبات التاريخي بالوعي وتتكدس أطباق التكرار على عاتق الذاكرة، يتحول الفكر إلى ساحة معركة حقيقية بين التوق للحرية والبقاء أسيراً للكهوف الموروثة. فالعقل العربي اليوم لا يعاني مجرد أزمة عابرة في أدواته، بل يواجه مأزقاً بنيوياً تمثل في استقالته عن الفعل البرهاني وانغماسه في “مشهدية الناس” السطحية، متخندقاً خلف أسوار الخطابات الاعتذارية والتبعية الإبستمولوجية.

في مواجهة هذا المأزق، يأتي هذا الحوار المكاشف ليفتح كوة في جدار الركود، مسلطاً الضوء على عقول نقدية لا تهاب تشريح الداء ووصف الدواء. وفي قلب هذا المشهد، يقف الفيلسوف التونسي زهير الخويلدي صوتاً فلسفياً جريئاً يرفض الاستسهال المعرفي ويناضل من أجل استعادة فاعلية الكونية المغايرة.

بين ثنايا أسئلة عميقة ومقاربات تفكيكية، يأخذنا الحوار لنغوص في أطروحات الخويلدي التي تدعو إلى مغادرة موقع “الشارح” إلى أفق “نحت المفاهيم”، وتأسيس أروقة معرفية جديدة تعيد لـلغة الضاد القها الكوني، لتصبح الفلسفة — كما يرى بحق — ضرورة وجودية كالهواء الذي لا غنى عنه لليقظة والاستئناف الحضاري.

 

السؤال السادس:هل أزمة العقل العربي اليوم تكمن في “عجزه عن نحت مفاهيمه الخاصة” واكتفائه بدور الشارح للمفاهيم الغربية؟

نعم، تكمن أزمة العقل العربي اليوم — إلى حد كبير — في “عجزه عن نحت مفاهيمه الخاصة” واكتفائه بدور “الشارح” للمفاهيم الغربية (أو إعادة إنتاج الموروث بألفاظ مستحدثة). هذا يُعمق التبعية الإبستمولوجية ويحول العقل إلى مستهلك أو مترجم لا مبدع. غني عن البيان أن أسباب الأزمة تتجلى في

النقاط التالية:

الاكتفاء بالشرح: يغلب على الخطاب الفكري العربي المعاصر دور الشارح أو المفسر للمفاهيم الغربية (حداثة، ما بعد حداثة، عولمة) أو إعادة تأويل التراث بطريقة تبريرية، دون إبداع مفاهيمي أصيل ينبع من الواقع العربي ويُخصبه.

عجز عن النحت: ينتج عن “آفة إعادة الإنتاج”، الذاتية المتضخمة، والانغلاق، مما يمنع تشكل كونية مغايرة قادرة على مواجهة التحديات المعاصرة (ثورة، تنمية، هوية).

حول سبل التجاوز ندعو إلى ما يلي:

إبداع مفاهيم خاصة: نحت مفاهيم جديدة (مثل “الهوية السردية”، “الكونية المغايرة”) تجمع الأصالة بالانفتاح، وتُحوّل الضاد إلى لغة فكر كوني.

التثوير والنقد: تجاوز الشرح إلى الكشف والمواجهة عبر تثوير التراث، نقد الأنساق، وإطلاق حركة الخلق (كما في مشاريع أركون والجابري، مع تجاوزها).

الكونية كأفق: بناء عقلانية عربية علمية حرة تنتج مفاهيمها الخاصة، تُشارك في الحوار العالمي دون تبعية، وتُعيد للعقل فاعليته البرهانية.

من هذا المنظور الأزمة ليست في التراث أو الحداثة بحد ذاتهما، بل في عجز العقل عن الإبداع المفاهيمي الذي يجعله فاعلاً لا شارحًا. التجاوز يتطلب استفاقة فلسفية تحول العقل من مستهلك مفاهيم إلى منتج كوني، شرط أساسي للاستئناف الحضاري والخروج من التبعية الفكرية. الفلسفة هنا أداة نحت وتحرير.

 

السؤال السابع: كيف يمكن تجاوز “الاستسهال المعرفي” وطغيان ثقافة الاستهلاك التي أصابت بنية التفكير العربي المعاصر بالسطحية؟

يمكن تجاوز “الاستسهال المعرفي” (التبسيط السطحي، الاكتفاء بالظواهر دون الغوص في الأعماق) وطغيان ثقافة الاستهلاك (التي تحول التفكير إلى سلعة سريعة الزوال، سطحية إعلامية، وانفعالية) — اللذين أصابا بنية التفكير العربي المعاصر — عبر تثوير آليات الوعي وإحياء الكونية الفلسفية كمقاومة جذرية. من بين أسباب الاستسهال والاستهلاك يمكن أن نذكر أن ثقافة الاستهلاك تحول المعرفة إلى “محتوى” سريع، يغلب عليه الإعلامي والتبسيطي، فيؤدي إلى تلف الوعي (مثل تلف الأعصاب): فقدان القدرة على الإدراك الحقيقي، استبدال التأمل بالانفعال، والنقد بالتكرار. هذا يعمق “السبات” و”الاستقالة”، ويحول العقل من فاعل برهاني إلى مستهلك سلبي.

 

 

سبل التجاوزيكون من خلال يلي :

التثوير المعرفي: إعادة بناء الأروقة المعرفية (فلسفة، تربية، علوم) على دعائم معاصرة، مع التركيز على البرهان والنقد الجذري بدلاً من السطحية. يتطلب ذلك تدريبًا على الاستشكال، الهرمينوطيقا، والفينومينولوجيا لتحويل الوعي من استهلاكي إلى إنتاجي.

الانتقال من المشهدية إلى المنظورية يتطلب القيام بالحركات الفكرية التالية:

تجاوز “مشهدية الناس” (الرؤية السطحية للظواهر) إلى “منظورية العالم” (بناء نشط للمعنى، تحدي المرشحات الثقافية، ورؤية العالم كمشروع قابل للإعادة تشكيل).

الفلسفة كمقاومة: الفلسفة “كالهواء” ضرورية لمقاومة الابتذال والعولمة المتوحشة. تتطلب وعيًا ذاتيًا، تحدي الافتراضات السلبية، وتبني عقلية نمو كونية تجمع الأصالة بالانفتاح النقدي.

دور التربية واللغة: تثوير التعليم ليخرج من التكرار إلى الإبداع، وتحويل الضاد من لغة هوية إلى لغة فكر كوني عميق.

الاستسهال والاستهلاك مرض حضاري يُعالج بالعودة إلى التفكير الفلسفي الحقيقي — الذي يبدأ من جديد، يحرك وهج السؤال، ويطلق الخلق. هذا يعيد للعقل العربي فاعليته، يحوله من مستهلك سطحي إلى منتج كوني، ويمهد لاستئناف حضاري يتجاوز السطحية نحو الأعماق والإبداع. الفلسفة هنا ليست ترفًا، بل علاج وجودي للوعي المريض.

 

 

السؤال الثامن: إلى أي مدى يعيق “تحالف المقدس الاجتماعي مع السياسي” تشكل عقلانية عربية علمية حرة؟

“تحالف المقدس الاجتماعي مع السياسي” يُعيق بشكل كبير تشكل عقلانية عربية علمية حرة، ويشكل أحد أبرز العوائق البنيوية أمامها. هذا التحالف يحول المقدس (الديني/الرمزي) إلى أداة سلطة سياسية واجتماعية، فيُفرغ العقل من استقلاليته ويُخضعه لمنطق التبرير والإقصاء بدلاً من النقد والبرهان.

لقد ذكرنا أن من بين آليات الإعاقة ما يلي:

احتكار المقدس: يؤدي إلى غلو ديني، لا تسامح مذهبي، وتفسير أحادي يغلب النقل على العقل، ويغلق أبواب الاجتهاد والتأويل. هذا يعمق “السبات” و”الاستقالة” العقلية، ويمنع تشكل عقلانية علمية قادرة على التعامل مع الواقع بموضوعية.

توظيف سياسي: يُستخدم المقدس لتبرير السلطة أو الفتن، فيحول الدين من مصدر أخلاق ومعنى إلى أيديولوجيًا تُخرب العمران وتُعيق التنوير. ينتج تصورات عقائدية مغلقة تُعمق التمزق الاجتماعي والفكري.

ثنائية ضارة: يعيق التوفيق بين الأصالة والحداثة، ويحول العقل إلى أسير ثنائيات (نقل/عقل، مقدس/مدنس) بدلاً من كونية فلسفية تجمع بينهما.

في هذا الإطار نرى أن التجاوز ممكنًا عبر:

أنسة المقدس وتأويله تاريخيًا (لا نهائية التأويل، التركيز على الأبعاد الإيتيقية).

فصل نسبي بين المقدس (كقيم إنسانية) والسياسي (كتدبير عقلاني للشأن العام)، مع الحفاظ على التسامح وحسن الضيافة بين الأديان والمذاهب.

إحياء الكونية الفلسفية: بناء عقلانية علمية حرة تجمع البرهان بالأصالة، تفتح على الحوار، وتدفع نحو الديمقراطية والشورى كممارسة عقلانية.

دور الفلسفة: مقاومة للاحتكار، تدريب على النقد والاجتهاد، وتحويل العقل من أداة تبرير إلى فاعل كوني مبدع.

جملة القول أن التحالف يعيق بقوة تشكل عقلانية عربية علمية حرة لأنه يُسيّس المقدس ويُقدّس السياسي، مما يُعيق الاستقلالية والنقد. التجاوز يتطلب تنويرًا أصيلاً يُعيد المقدس إلى أبعاده الإنسانية، ويُحرر العقل ليصبح برهانيًا كونيًا. الفلسفة هنا ليست رفاهية، بل شرط وجودي للاستيقاظ الحضاري والتحرر من أسر السلطة المزدوجة.

 

السؤال التاسع: هل ترى أن “الذاتية المتضخمة” في الخطاب الفكري العربي تحول دون التأسيس لإبستمولوجيا موضوعية؟

نعم، نرى أن “الذاتية المتضخمة” في الخطاب الفكري العربي تُعيق إلى حد كبير التأسيس لإبستمولوجيا موضوعية. هذه الذاتية (الفردانية المفرطة، النزعة الشخصانية، والانغلاق على الذات الجمعية أو الفردية) تحول المعرفة إلى تعبير ذاتي أو أيديولوجي، بدلاً من بناء معرفة موضوعية برهانية وكونية. كما أن من بين أسباب الإعاقة يمكن أن نذكر ما يلي:

الذاتية المتضخمة تحول العقل من أداة نقد واستكشاف موضوعي إلى مرآة للذات (تجارب شخصية، هويات مغلقة، انفعالات جمعية). هذا يُعمق “الاستسهال المعرفي” و”السطحية”، ويمنع الانتقال من الإدراك الحسي/المشهدي إلى المنظورية النقدية.

 

 

في الخطاب العربي: غلبة الذاتية تُفرز خطابًا يركز على الخصوصية الدفاعية أو الاحتفائية على حساب الكونية، مما يعيق بناء إبستمولوجيا علمية حرة قادرة على تجاوز التبعية والانغلاق.

نتائج: تصبح المعرفة نسبية ذاتية أو أيديولوجية، تفتقر إلى الموضوعية (البرهان، المنهج، التحقق)، وتُعيق الاستئناف الحضاري.

أما بخصوص سبل التجاوز فإننا ندعو إلى ما يلي:

الكونية الفلسفية: بناء إبستمولوجيا تجمع الذاتية (كأصالة وتجربة) بالموضوعية (كبرهان وانفتاح نقدي)، عبر تثوير التراث وإعادة بناء الأروقة المعرفية على دعائم معاصرة.

الوعي الذاتي النقدي: تحدي الذاتية المتضخمة بـ”البصيرة العقلية”، التحول من المشهدية إلى المنظورية، وتبني عقلية نمو كونية.

الفلسفة كممارسة: تدريب على النقد، الهرمينوطيقا، والبرهان لتحرير المعرفة من الذاتية المفرطة وجعلها أداة فهم موضوعي للواقع.

الذاتية المتضخمة تعيق التأسيس لإبستمولوجيا موضوعية لأنها تحول المعرفة إلى تعبير أناني أو جمعي مغلق، بدلاً من مشروع كوني مشترك. التجاوز ممكن عبر فلسفة نقدية تحول الذات من مركز مطلق إلى فاعل مشارك في بناء المعنى العالمي، مما يُعيد للعقل العربي فاعليته العلمية والحرة. هذا شرط أساسي لليقظة الحضارية.

 

السؤال العاشر: كيف ننتقل بالعقل العربي من نمط “الخطاب الاعتذاري والتبريري” إلى نمط “الخطاب الكاشف والمواجه”؟

الانتقال بالعقل العربي من “الخطاب الاعتذاري والتبريري” (الدفاعي، التوفيقي، إعادة الإنتاج للماضي بألفاظ مستحدثة) إلى “الخطاب الكاشف والمواجه” (النقدي الجذري، الكاشف للعلل، المواجه للواقع) ممكن عبر تثوير آليات التفكير وإحياء الكونية الفلسفية كممارسة مقاومة.

أسباب الخطاب الاعتذاري تكمن في النقاط التالية:

ينبع من “آفة إعادة الإنتاج” و”الغوغائية الانفعالية” التي تُلبس الموروث ألفاظًا جديدة لتبرير الواقع أو الدفاع عن “الأصالة” دون مواجهة أزماته.

يعكس “السبات” و”الاستقالة”، حيث يغلب التقليد والنقل على الاجتهاد، ويحول الفكر إلى خطاب غوغائي يُخفي التناقضات بدلاً من كشفها.

من بين آليات الانتقال يمكن أن نذكر ما يلي:

النقد الفلسفي الجذري: تبني مشاريع مثل نقد العقل (الجابري، أركون) لكن بتجاوزها نحو تثوير شامل يُكشف المسكوت عنه، يفكك الأنساق، ويواجه الواقع بلا تلقين أو تبرير.

الكونية كأفق: تحول الخطاب من خصوصية دفاعية إلى كونية مغايرة تجمع الأصالة بالانفتاح النقدي، وتُحوّل الضاد إلى لغة فكر مشاركة في بناء الحضارة الإنسانية.

البراكسيس والمقاومة: الفلسفة كفعل (لا مجرد نظر) — مواجهة الابتذال، العولمة المتوحشة، والانحطاط — عبر اليقظة، التعويل على الذات، وإنتاج سرديات تمكينية بدلاً من اعتذارية.

تثوير التربية والإعلام: بناء جيل يمارس النقد الموضوعي، يتحرر من التلقين، ويواجه التحديات بأدوات عقلانية.

من هذا المنطلق يتطلب الانتقال استفاقة كبرى تحول الفكر من دفاع تبريري (يُعيد إنتاج الماضي) إلى كشف مواجه (يُواجه الحاضر ويبني المستقبل). الفلسفة هنا “كالهواء” ضرورية للخروج من الكهوف، وتحقيق الاستئناف الحضاري عبر خطاب كاشف يُعيد للعقل فاعليته البرهانية والكونية. هذا مشروع تنوير أصيل يبدأ بالنقد الذاتي وينتهي بالفعل التحرري.

قد يعجبك ايضا