ياسين الحديدي
كركوك
لا تستغربوا، فالتاريخ يعيد نفسه
من يقرأ صفحات التاريخ السياسي للعراق بتأنٍّ وروية، ولا سيما تاريخ المدن العراقية، سيجد الكثير من أوجه التشابه بين مراحل مختلفة من تاريخ البلاد. ولعل ما جرى في كركوك خلال الاحتلال البريطاني للعراق، وما جرى فيها بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003، يقدم مثالًا واضحًا على ذلك.
إن مشكلتنا تكمن في أن القليل منا يقرأ تاريخ العراق السياسي قراءة متأنية، ولا سيما تاريخ المدن والمناطق، إلا عند الضرورة أو من قبل المهتمين بالتاريخ والأكاديميين وطلبة الدراسات العليا. كما أن الكثير من الدراسات لا تجد طريقها إلى النشر إلا في حالات نادرة، وهي مشكلة كبيرة، إذ تبقى بحوث ودراسات مهمة محفوظة في رفوف الجامعات من دون أن تصل إلى القارئ والباحث وصانع القرار.
وفي هذا الظرف المختلف عليه بين القوميات، والمتأزم سياسيًا واجتماعيًا، أحببت أن أتوقف عند مرحلة مهمة من تاريخ كركوك، وهي مرحلة الاحتلال، وما رافقها من إجراءات إدارية وسياسية، ولا سيما تشكيل مجلس إدارة كركوك.
الاحتلال البريطاني وتشكيل مجلس إدارة كركوك
بدأ الاحتلال البريطاني للعراق من الجنوب باتجاه الشمال عام 1914، وانطلقت القوات البريطانية من منطقة الفاو، ثم واصلت تقدمها حتى وصلت إلى كركوك واحتلتها على مرحلتين؛ الأولى في 7 أيار 1918، ثم انسحبت منها، قبل أن تعود وتحتلها مرة ثانية في 1 تشرين الثاني 1918.
وكُلّف الكابتن نوئيل لونكريك وكيلاً للحاكم السياسي في كركوك وتوابعها. وهو صاحب أحد أشهر الكتب المهمة في تاريخ العراق السياسي الحديث، «أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث»، الذي أعيد طبعه مرات عديدة، ويُعد من أبرز المراجع التي تناولت تاريخ العراق الحديث.
وكانت من أولى المهام التي أوكلت إلى الكابتن لونكريك إقامة المؤسسات الإدارية الجديدة، التي كانت قائمة وفق النموذج العثماني، ومن أبرزها تأسيس مجلس إدارة كركوك، الذي كانت مهمته مساعدة الحاكم السياسي في إدارة شؤون المنطقة وتقديم المشورة له.
وقد جرى تشكيل المجلس، بحسب ما تذكره الوثائق، انطلاقًا من الواقع القومي للواء كركوك، وليس على أساس الكفاءة أو القدرة الإدارية فقط. ويرى البعض أن هذا الأسلوب أسهم في إيقاظ الشعور القومي وتعزيز الانتماءات القومية والدينية، وربطها بالممارسة السياسية والإدارية، على حساب مفهوم المواطنة الجامعة، في إطار السياسة الاستعمارية المعروفة بمبدأ «فرّق تسد».
وتألف المجلس من اثني عشر عضوًا، وفق توزيع قومي وديني، على النحو الآتي:
1. عضو واحد يمثل العرب.
2. ستة أعضاء يمثلون الكرد.
3. ثلاثة أعضاء يمثلون التركمان.
4. عضو مسيحي واحد.
5. عضو يهودي واحد.
وقد سجلت الوثائق البريطانية المتعلقة بأعضاء المجلس معلومات عن كل عضو منهم، ومنهم:
1. أحمد خانقاه – كركوك، قرية علي غير سيداوة – رجل دين ومزارع – كردي سني.
2. أحمد حمدي أفندي – كركوك – موظف وقاضٍ – كردي سني.
3. جميل بك بابان – كفري – أرستقراطي محلي – كردي سني.
4. عمر آغا – كفري – مالك ومزارع – كردي سني.
5. الشيخ حميد الطالباني – داقوق – شيخ ومزارع ومالك – كردي سني.
6. رضا بك – كلار – مزارع من الجاف – كردي سني.
7. مجيد أفندي اليعقوبي – كركوك – رئيس بلدية في العهد العثماني – تركماني سني.
8. حسين بك النفطجي – كركوك، طوبزاوة – مالك وتاجر آبار نفط – تركماني سني.
9. حاجي جميل بك – كركوك – تاجر ويمثل المثقفين – تركماني سني.
10. حسين العلي السعدون – الصحراء – شيخ عشيرة – عربي سني.
11. قسطنطين أفندي – كركوك – تاجر – مسيحي.
12. حسقيل أفندي – كركوك – تاجر – يهودي.
التركيبة السكانية لكركوك
ومن المهم الإشارة إلى أن مركز مدينة كركوك كان يضم غالبية تركمانية، في حين كانت غالبية القرى والأطراف المحيطة بكركوك ذات غالبية كردية. وكانت مناطق مثل جم جمال، وكفري، وقادر كرم، وقره تبه، وبيباز، وسر قلعة، وكلار تابعة إلى كركوك حتى عام 1976.
وقد اعتمد البريطانيون في تعاملهم مع القرى والمناطق على العشائر وشيوخها، باعتبارهم من أبرز القوى الاجتماعية المؤثرة في تلك المناطق.
أما العرب، فكانت عشيرة العبيد من أوائل العشائر العربية التي استقرت في كركوك، إذ بدأ استقرارها منذ عام 1805، واكتمل في عام 1826. كما استقرت عشيرة الحديديين في إحدى ضواحي كركوك، في قرية مجاورة لقرية تسعين، وكانت تُعد آنذاك خارج حدود البلدية.
الاحتلال الأمريكي وتشكيل مجلس محافظة كركوك بعد عام 2003
ومن أوجه التشابه بين الاحتلال البريطاني للعراق والاحتلال الأمريكي بعد عام 2003، تشكيل مجلس لإدارة محافظة كركوك وفق مكونات المجتمع الكركوكي، وبإشراف مباشر من القائد الأمريكي في المحافظة.
فكما كان الاحتلال البريطاني هو السلطة الفعلية في المرحلة الأولى، أصبح الاحتلال الأمريكي السلطة الفعلية بعد عام 2003، في مرحلة شهدت تدمير مؤسسات الدولة العراقية وإعادة تشكيل الكثير من مؤسساتها الإدارية والسياسية.
وفي بداية تلك المرحلة، تم اختيار 300 مندوب من الكرد والعرب والتركمان والآشوريين، لاختيار 30 عضوًا لمجلس المحافظة، بواقع ستة أعضاء لكل قومية، إضافة إلى ستة أعضاء من المستقلين.
وقد تباينت الآراء بشأن تمثيل المستقلين، إذ كان خمسة منهم، بحسب ما ورد، من الإخوة الكرد، بينما كان أحدهم مسيحيًا، وقد جرى اختيار بعضهم بإشراف مباشر من الجانب الأمريكي.
وبعد تشكيل المجلس، جرى انتخاب المحافظ ونائبيه ورئيس المجلس. وفاز السيد عبد الرحمن مصطفى، وهو كردي ومستقل، بمنصب المحافظ، فيما فاز إسماعيل الحديدي، وهو عربي ومستقل، بمنصب نائب المحافظ.
كما فاز السيد نظام الدين كلي برئاسة مجلس المحافظة، قبل أن يتوفى لاحقًا في حادث سير على طريق كركوك – السليمانية، فتولى السيد رزكار علي رئاسة المجلس.
كما تم تخصيص منصبين لمعاوني المحافظ؛ الأول من القومية التركمانية، والثاني من المكون الآشوري.
وهذه صفحة أخرى من صفحات تاريخ كركوك، وهي صفحة تستحق الدراسة والبحث والمقارنة، بعيدًا عن الانفعال السياسي، وبالاعتماد على الوثائق والمصادر التاريخية.
ملاحظة شخصية
الشيخ حسين العلي السعدون كان شيخ قبيلة العبيد في العهد العثماني وخلال فترة الاحتلال البريطاني، وتوفي عام 1934. وكان قبل وفاته قد عهد إلى نجله الشيخ محمد صالح حسين العلي السعدون برئاسة العشيرة، لاعتماده عليه في تصريف شؤونها، واستمر في ذلك حتى وفاته عام 1961، رحمه الله.
وقد نُقل جثمانه من بيتنا، بيت البوجبل، إلى مثواه الأخير في مقبرة سيد إسماعيل في شبيجة. وكنت آنذاك في الصف السادس الابتدائي.
وبعد ذلك، تولى مزهر العاصي، رحمه الله، المشيخة والإمارة.