قدسية الدائرة في فكر وفلسفة الأيزدياتي

خالد الياس رفو

منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء وتأمل حركة الأفلاك والنجوم، أدرك أن للكون نظاماً خفياً يقوم على التناغم والدوران والاستمرارية. لم يكن شكل الدائرة مجرد صورة هندسية عابرة، بل بدا وكأنه اللغة السرية التي كتب بها الخالق العظيم « خودي » النظام الذي تسير به الخليقة . اضافة الى ان الزمن لا يبدأ ولا ينتهي لأنه شيء دائري، ولا ننسى بان الدائرة اكمل الاشكال الهندسية.

الكون كله يتحرك ضمن نسق دائري متكامل: ” الشمس والقمر والكواكب ” و ” تعاقب الليل والنهار ” و ” دورة الفصول ” و ” الولادة والموت ” حتى الزمن نفسه يعود في هيئة دائرة لا تنتهي.

في فلسفة الأيزدياتي تحتل الدائرة مكانة روحية عميقة ، لأنها ترمز إلى الكمال والوحدة واللانهاية .هي الشكل الذي ” لا بداية له ولا نهاية ” وكأنها تعبير رمزي عن سر الوجود الإلهي الذي لا يحده زمان ولا مكان .من هنا ارتبطت الدائرة في الوعي الأيزيدي بالنور الإلهي والنظام الكوني المقدس .

تتجلى قدسية الدائرة بوضوح في البنية الدينية الأيزيدية، حيث تقوم القبب فوق المزارات والمعابد على قاعدة دائرية، ثم ترتفع بشكل هرمي تتجمع أضلاعه نحو القمة كما تتجمع الأشعة نحو الشمس وفي أعلى القبة تستقر الكتلة الكروية التي ترمز إلى اكتمال الكون ووحدته وفوقها الشواخص التي تحمل الكرات الدائرية والشمس المقدسة في صورة تختزل العلاقة بين الأرض والنور والسماء.

في العقيدة الأيزيدية لا يقتصر حضور الدائرة على البناء الديني فحسب ، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية والطقوس الدينية وحتى الملابس فالأيزيديون يرتدون لباساً دينياً أبيض، دلالة على النقاء وبفتحة دائرية يعرف باسم «توك» في إشارة رمزية إلى الوحدانية والكمال والحماية الروحية .

كما يرتدي بعض رجال الدين حزاماً تتوسطه قطعة دائرية تسمى «خادم» بينما يضع الأيزيديون في معاصمهم خيطاً دائرياً مقدساً يعرف باسم «بازمبار» وكأن الدائرة ترافق الإنسان منذ طفولته حتى شيخوخته بوصفها رمزاً للعهد الروحي والارتباط بالمقدس.

في معبد لالش النوراني، القلب الروحي للأيزيديين، تتجلى فلسفة الدائرة بصورة أكثر وضوحاً وهيبة. في طقس «السما» يتحرك رجال الدين الأيزيديون بحركات دائرية منتظمة تشبه دوران الكواكب حول الشمس في انسجام روحي يعكس وحدة الكون وخضوعه للقانون الإلهي. كذلك يطوف الزوار حول المزارات بشكل دائري، في استحضار رمزي لحركة الأفلاك وللدوران الأبدي للحياة حول مركز النور الإلهي.

حتى «السناجق – الطواويس المقدسة» تحمل في تكوينها أقراصاً دائرية وكرات موضوعة فوق بعضها بعضاً وكأنها تعبير بصري عن طبقات الكون وعوالمه الروحية. في الأيزدياتي ، ليست الدائرة مجرد شكل هندسي ، بل هي فلسفة وجود كاملة ورمز عميق لوحدانية الخالق الذي لا بداية له ولا نهاية .

كما أنه عندما يولد الطفل الأيزيدي يوضع حوله خيط أو حزام على هيئة دائرة لمدة أربعين يوماً، بما يؤكد أن الدائرة، بوصفها رمزاً لوحدانية الخالق، ترافق الأيزيديين منذ الولادة حتى الممات. وعليه، فإنها التعبير الأصدق عن حركة الكون الأزلية وعن التناغم الذي يجمع عناصر الوجود وعن العودة الدائمة إلى الأصل الذي انبثقت منه الحياة وإليه تنتهي الرحلة.

لقد أدركت الحضارات القديمة والديانات الروحية أن للدائرة سراً يتجاوز حدود الرياضيات والهندسة، غير أن هذا الرمز اكتسب في الأيزدياتي بعداً روحياً ووجدانياً فريداً، حتى غدت الدائرة رمزاً للنور والخلود وعلامة على وحدة الخلق وترابطه في دائرة كونية لا تنكسر.لم تكن الدائرة رمزاً نظرياً فحسب، بل تجسدت فيه أيضاً أسمى معاني الثبات والإيمان.

في أزمنة الفرمانات والمحن ، حين كانت جحافل الموت تهاجم القرى والمزارات الأيزيدية ، كان المقاتلون الأيزيديون يتخذون مواضعهم الدفاعية ويرسمون حول أنفسهم دائرة ، ثم يقفون داخلها وقفة العهد المقدس ، فلا يتجاوزون حدودها مهما اشتدت المعركة أو تعاظمت الأخطار وكانوا يفضلون السقوط شهداء داخل تلك الدائرة على مغادرتها ، لأنها لم تكن مجرد خط مرسوم على الأرض ، بل كانت رمزاً لعهدهم مع الخالق وتجسيداً لانتمائهم الأيزيدي وهويتهم الروحية .

البقاء داخل الدائرة كان بقاءً على العهد، أما كسرها والخروج منها فكان يُنظر إليه بوصفه خروجاً عن ذلك الرابط المقدس الذي يجمع الإنسان بخالقه وإيمانه وأصله. وهكذا أصبحت الدائرة صورةً للكون حين يكون في توازنه الكامل وصورةً للروح حين تعود نقية إلى مركزها الأول.

هكذا تبقى الدائرة في الفكر الأيزيدي أشبه بمرآة للكون الكبير، فكل شيء يبدأ منها ويعود إليها وكل دوران في هذا الوجود ما هو إلا تذكير بأن الحياة ليست خطاً منقطعاً ، بل دائرة مقدسة تستمر إلى الأبد . ولا ننسى، سبق وان كتب الكاتب والناقد خالد علوكة عن قدسية الدائرة عند الأيزيديين في احدى مقالاته.

قد يعجبك ايضا