ثمانون عامًا من النضال إلى صناعة الاستقرار

د. محمود زايد

لم تشهد بلدان الشرق الأوسط حزبًا سياسيًّا يطول عمره ويستمر عطاؤه ويحوذ أغلبية شعبية في محيطه سوى الحزب الديمقراطي الكوردستاني في كوردستان العراق، وهو ملمح يلفت النظر ويشغل الانتباه، ويجعلنا نحن المصريين نبحث في الأسباب التي ارتقت به إلى هذا التميز وذلكم الانفراد.
وهذا يمكن فهمه من خلال نوافذ غديدة، منها ما يأتي:
أولاها: أن ميلاد الحزب الديمقراطي الكوردستاني (البارتي) في السادس عشر من أغسطس 1946م لم يكن مجردَ ميلادٍ لتنظيمٍ سياسي مثل غيره من التنظيمات، بل كان ميلادَ فكرةٍ عبرت الجبال، واستقرت في وجدان النضال الإقليمي، ووجدت لنفسها مرفأً على شاطئ النيل، وحازت تقدير القوى العالمية.
ثانيها: عقيدة الحزب السياسية القائمة على الديمقراطية للعراق والفيدرالية لكوردستان، وأن كفاحه الدفاعي لم يوجّه يومًا ضد المواطنين العرب في العراق؛ وإنما هو صدٌّ لبطش الحكومات واعتداءات قواتها الأمنية والعسكرية. وبالتالي، نجد أن البارتي تحوّل خلال عقوده الثمانية الماضية، من حركة دفاع عن الهوية إلى مدرسة في الحكمة السياسية والإدارة الدولية، وتجربة إقليم كوردستان ليست برهانًا على ذلك فحسب، وإنما تعدُّ ركيزةً أساسية للاستقرار، ورسالةً مفادها أن صون الحقوق القومية لا يتعارض مع سلامة الوطن العراقي، بل يغذّيه ويحميه، وتقرر أن قوة أربيل من قوة بغداد، وأن قوتهما قوة للعراق وسيادته.
ثالثها: القناعة المصرية بشرعية الحقوق القومية للشعب الكوردي وفق الأطر الدستورية والقانونية. وهي قناعة تؤكدها مصر منذ عهد الرئيس جمال عبدالناصر وحتى وقتنا الراهن؛ فخلال هذه الرحلة الطويلة للحزب الديمقراطي الكوردستاني لم تكن مصر بعيدة عن الحقوق القومية للشعب الكوردي وطموحاته، حيث شهدت القاهرة لقاءات كبار قادة الحزب بالرؤساء المصريين، بداية من الأب المؤسس ملا مصطفى البارزاني ولقائه بالرئيس جمال عبدالناصر، ومرورًا بالرئيس مسعود البارزاني ولقاءاته مع الرئيس مبارك، وانتهاءً بلقاء رئيس وزراء إقليم كوردستان مسرور البارزاني في أواخر العام الماضي بالرئيس عبدالفتاح السيسي. وهو ما يؤكد أن تلاقى جبال كوردستان المنيعة مع شريان النيل الخالد لم تصنعها الصدف، ولم يجمعها زبد الماء؛ بل هي شجرةٌ ضربت جذورها في أصالة التاريخ، وروتها الثقافة والفنون، ونسجتها مقادير الفكر، وتقارب الرؤى، وشرعية النضال المشترك.
فالأوساط المصرية لديها تقدير نضالي خاص للحزب وإرثه الدبلوماسي مع مصر منذ عهد الرئيس جمال عبدالناصر، وهو ما يرسم العلاقة بين عمقها التاريخي وأبعادها الدبلوماسية، ورسالتها الإنسانية. ولا شك أن هذا التعاون وتلك الرؤى جعلت خبراء السياسة الخارجية المصرية يقررون أن البارتي بات فاعلاً رئيسيًا يوازن بين الحفاظ على الحقوق القومية الكوردية وبين صون وحدة العراق الفيدرالي ومؤسساته الدستورية بما يصفه بأنه صمام أمان وداعم للاستقرار.
رابعها: أن وعود الحزب الديمقراطي الكوردستاني لم تقف على كونها شعارات لمواقف سياسية او لظرف زماني؛ بل ترسمت على أرض الواقع رغم جسامة الصعاب وضخامة العراقيل. فالعالم كله يشهد حاليًا نهضةً عمرانيةً واقتصاديةً ملحوظةً في إقليم كوردستان العراق تحت قيادة البارتي والأحزاب الأخرى المتعاونة معه، بل وباتت مدن الإقليم نموذجًا يتوق لمحاكاتها مواطنو المحافظات العراقية الأخرى، وهو أمر خلق إشادات واسعة من مجتمع الأعمال والمؤسسات الفكرية في مصر ودول عربية ودولية، كنموذج استثماري وآمن في منطقة تموج بالتحديات.
خامسها: وضاءة إقليم كوردستان كواحة للتعايش السلمي والتعاون التكاملي بين كل مكوناته في إقليم يموج بالطائفية والعنصرية والمذهبية. وهذه ظاهرة مهمة تدل على مدى الرقي الإنساني لمسؤولي إقليم كوردستان في خلق هذه الحالة والحفاظ عليها، وهو أمر رصدته العديد من المنظمات الدولية، ولحظته بنفسي بين مكونات الإقليم من مسلمين ومسيحيين وإيزيديين وكاكائيين وغيرهم بالإضافة إلى اللاجئين. وهو أمر تحرص عليه بقوة رئاسة الإقليم حكومته، ويشدد عليه أيضًا الرئيس مسعود البارزاني معتبرًا أن أي اعتداء على لاجئ أو أي فرد من المكونات بأبعاد طائفية هو بمثابة اعتداء عليه شخصيًّا.
سادسها: التمثيل الخارجي المشرف للحزب. بمعنى أن الحزب الديمقراطي نجح في نقل صورته الحقيقية للعالم من خلال ممثليه الكفؤين. هنا، لابد أن نشيد – نحن المصريين – بتجربة مميزة للحزب الديموقراطي الكوردستاني من خلال دور ونشاط مكتبه في القاهرة الذي نجح في تسهيل قنوات التلاقي الدبلوماسي المستمر، وتوسيع حلقات التبادل الثقافي بين الشعبين المصري والكوردي، وبناء جسر متين لتعزيز التعاون الإعلامي والأكاديمي، وتفعيل الحوار الفكري بين الباحثين المصريين والكورد.
بقي أن نقول، أننا لو ظللنا أن نعدد أسباب نجاحات الحزب الديمقراطي الكوردستاني فلن ينضب المداد، ولن يكفي الوقت المتاح. مع ذلك تظل الذكرى الثمانون لتأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني مناسبة نجدد فيها تأكيداتنا على محورية الدور الكوردي في صناعة السلام والتنمية بالشرق الأوسط، وأن استقرار وازدهار المناطق الكوردية هو من استقرار وازدهار منطقة الشرق الأوسط كلها، وحريٌّ بنا أن نستثمر تجربة إقليم كوردستان كونها إضافة إيجابية للمنطقة وليست خصمًا لها.

قد يعجبك ايضا