نضال الأمس وتحديات المستقبل: ثمانون عاماً على تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني

إبراهيم شعبان-جمهورية مصر العربية

في الذكرى الـ80 لتأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني تبرز القضية الكردية كواحدة من أكبر قضايا المعاناة الإنسانية. فالشعب الكوردي تحمل الكثير وعاني الكثير وبرز اسم الحزب الديمقراطي الكردستاني كواحدة من منصات وحركات التحرر القومي الكبرى التي قادت ولا تزال نضالا حقيقيا من أجل أن ينال الشعب الكوردي حقوقه واستقلاله.
وفي الذكرى الـ80 لتأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني يبرز دور الحزب وتبرز القضية الكردية في آن واحد لتشكل واحدة من كبرى معاني النضال والمقاومة في العالم على مدى عقود.

محطة فارقة في تاريخ الحركة التحررية

وتحل الذكرى الثمانون لتأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني في السادس عشر من آب 1946، وهي مناسبة تتجاوز الاحتفاء بتاريخ حزب سياسي إلى قراءة تجربة ارتبطت، منذ بدايتها، بمسار الحركة التحررية الكوردية وتطور القضية الكوردستانية في العراق.

فقد جاء تأسيس الحزب في مرحلة كان الكورد قد خاضوا خلالها ثورات وانتفاضات عديدة، وقدموا تضحيات كبيرة، إلا أن معظم تلك الحركات بقيت مرتبطة بظروفها وقادتها ومناطقها، ولم تمتلك الأداة السياسية القادرة على تنظيم طاقاتها، وتحويل أهدافها إلى برنامج مستمر، وإيصال رسالتها إلى الرأي العام الإقليمي والدولي. ومن هنا تبرز الأهمية التاريخية لدور الجنرال مصطفى بارزاني في تأسيس الحزب؛ إذ توصل إلى قناعة أساسية مفادها أن كل حركة تحررية تحتاج إلى تنظيم سياسي حديث يوازي نشاطها الميداني، يحفظ وحدتها، ويصوغ أهدافها، ويدافع عن حقوق الشعب سياسياً ودبلوماسياً.

ثلاثة أسس للفكر السياسي للحزب

ويمكن قراءة الأساس الفكري والسياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني من خلال ثلاثة منابع رئيسة:

نهج بارزان: اتسم بمجموعة من القيم الاجتماعية والأخلاقية والوطنية، من أبرزها العدالة الاجتماعية، ورفض الظلم، واحترام المرأة، وحماية الضعيف، والتعايش بين المكونات الدينية والقومية، والمحافظة على البيئة. وكان الإيمان بحقوق الأمة الكوردية المحور السياسي الأبرز في هذا النهج.

أهداف الحركة التحررية الكوردية: ورث الحزب تاريخاً طويلاً من المطالب والثورات والتجارب، وسعى إلى إعادة تنظيمها في إطار سياسي أكثر وضوحاً؛ حيث احتلت الحقوق القومية، والاعتراف السياسي، والحكم الذاتي، ووحدة الصف موقعاً أساسياً في برنامجه.

أفكار الجبهة الوطنية الواسعة: التأثر بأفكار السياسي البلغاري جورجي ديمتروف حول جمع القوى والفئات المختلفة حول هدف وطني مشترك بدلاً من حصر الحركة في تيار أيديولوجي واحد، وتظهر آثار هذه الرؤية في أفكار مصطفى بارزاني ولا سيما في خطاب باكو سنة 1948.

الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان

منذ وقت مبكر، ربط الحزب بين حل القضية الكوردية وبين طبيعة النظام السياسي في العراق. وعبّر شعار “الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان” عن فهم مفاده أن حقوق الكورد لا يمكن ضمانها بصورة مستقرة داخل دولة مركزية استبدادية.

وكانت ثورة أيلول 1961 التعبير الأبرز عن هذا النهج، إذ انتهت إلى اتفاقية 11 آذار 1970 التي أقرت مبدأ الحكم الذاتي لكوردستان. كما شهد المؤتمر الثالث عام 1953 تحولاً مفاهيمياً مهماً بتغيير اسم الحزب من “الكوردي” إلى “الكوردستاني”، للانتقال من الانتماء القومي الضيق إلى مفهوم الوطن والجغرافيا السياسية المشتركة التي تتسع لجميع المكونات.

قدرة الانبعاث والتحول نحو الكيان الدستوري

تجلت قدرة الحزب على استعادة المبادرة بعد النكسات الكبرى، فبعد اتفاقية الجزائر عام 1975، انطلقت ثورة 25 گولان 1976 لتعلن استمرار النضال. وبرز خلال هذه المرحلة دور الرئيس مسعود بارزاني والراحل إدريس بارزاني في إعادة التنظيم وتقريب القوى الكوردستانية، مما مهد لقيام الجبهة الكوردستانية وانتفاضة آذار 1991، التي فتحت الطريق أمام الانتخابات البرلمانية سنة 1992.

وساهم الحزب بشكل فاعل في مرحلة سقوط النظام السابق وصياغة دستور 2005، الذي اعترف بإقليم كوردستان كإقليم دستوري اتحادي. واليوم يمثل الرئيس نيچيرڤان بارزاني وجه المدرسة الدبلوماسية للقيادة الكوردستانية، بينما يقود رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني السلطة التنفيذية لمواجهة التحديات الاقتصادية والتنموية.

مستقبل القضية وتحديات التجدد

تعرّضَ الكُردُ لسنواتٍ طويلةٍ لأشرس الحملات ضد تطلعاتهم وكانوا ضحيةً للتوافقات الدولية ومصالحها، حيث اصطدمت طموحاتهم بمطامع السيطرة وبشوفينية وعنصرية حُكّام دكتاتوريين. وفي هذا السياق تتجلى مقولة الزعيم الخالد الملا مصطفى بارزاني: “إن الثورة والحرب ضد الحكومات لا يعني الحرب ضد شعوبها لأن الحكومات تذهب والشعوب باقية.”

بعد ثمانين عاماً، ما يزال الحزب الديمقراطي الكوردستاني يمثل القوة السياسية الأكبر في إقليم كوردستان ومجلس النواب العراقي. ورغم تحقيق إقليم دستوري ومؤسسات رسمية، فإن قضايا تنفيذ الدستور والمناطق الكوردستانية خارج إدارة الإقليم والحقوق المالية ما تزال مفتوحة.

إن استمرار هذه الرسالة التاريخية اليوم يتطلب التكيف مع متغيرات العصر ومخاطبة الأجيال الجديدة، لخوض معارك الحديث في الاقتصاد والتعليم والتكنولوجيا والدبلوماسية، مع الحفاظ على الثوابت القومية والوطنية التي قام عليها الحزب منذ تأسيسه.

قد يعجبك ايضا