مسعود بارزاني.. هكذا يصنع التاريخ

مهند محمود شوقي

في السادس عشر من آب، لا تحتفل كوردستان بذكرى واحدة. ففي هذا اليوم تتقاطع ذكرى تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني مع ذكرى ولادة مسعود بارزاني، وكأن التاريخ وضع في يوم واحد محطتين تختصران جانباً واسعاً من الحكاية الكوردية الحديثة: حزبٌ بدأ من فكرة سياسية في زمن شديد القسوة، ورجلٌ وُلد في بيئة لم تكن السياسة فيها خياراً مهنياً، بل قدراً يرافق الإنسان منذ طفولته.
تأسس الحزب الديمقراطي الكوردستاني عام 1946، في مرحلة كانت القضية الكوردية تبحث عن طريقها وسط تحولات إقليمية ودولية عميقة. وفي العام نفسه، وُلد مسعود بارزاني في مهاباد، في 16 آب، بينما كانت تجربة جمهورية كوردستان قد تركت أثراً سياسياً ورمزياً عميقاً في الذاكرة الكوردية.
ولذلك يصعب قراءة سيرة مسعود بارزاني بعيداً عن تاريخ الحزب الذي ارتبط اسمه به لاحقاً. فالرجل لم يدخل إلى التاريخ من خارجه، ولم يتعرف إلى السياسة بعد أن اختارها، بل وُلد في قلب بيئة كان فيها النضال السياسي والعسكري، والمنفى، والعودة، والانكسار، وإعادة بناء الأمل، تفاصيل عادية في حياة عائلته ومجتمعه.
كان والده الملا مصطفى بارزاني أحد أبرز مؤسسي وقادة الحزب، ولذلك جاءت طفولة مسعود مختلفة عن طفولة كثيرين. عاش بعيداً عن والده سنوات، في ظروف سياسية وإنسانية قاسية، بينما كانت الحركة الكوردية تمر بمحطات صعود وانكسار ستترك أثرها لاحقاً في شخصيته وفي رؤيته للسياسة.
ربما لهذا السبب تحديداً، لا تبدو سيرة مسعود بارزاني سيرة رجل سياسي عادي.
فهو لم يبدأ من مكتب، ولم يتعلم السياسة من الكتب وحدها، ولم تكن السلطة هي الباب الذي قاده إلى العمل العام. بدأ من تاريخ كان موجوداً قبله، ثم أمضى حياته محاولاً أن يفهم كيف يمكن لهذا التاريخ أن يستمر عندما تتغير الظروف، وتتبدل الأدوات، وتتغير طبيعة الصراع نفسه.
عام 1975 كان واحداً من تلك الاختبارات.
انهارت الحركة الكوردية المسلحة، وتشتتت القيادة، وساد شعور بأن مرحلة كاملة قد انتهت. لكن بارزاني، إلى جانب عدد من قيادات الحزب، اختاروا إعادة تنظيم الصفوف واستمرار العمل السياسي والنضالي. وبعد وفاة الملا مصطفى بارزاني عام 1979، انتُخب مسعود رئيساً للحزب الديمقراطي الكوردستاني في مؤتمره التاسع.
منذ ذلك الوقت، لم يعد السؤال بالنسبة إليه كيف يحافظ على إرث سياسي فحسب، بل كيف يحوّل هذا الإرث إلى مشروع يستطيع الاستمرار في ظروف مختلفة.
وهنا تبدأ واحدة من أهم سمات تجربته.
فالسياسي الذي خرج من بيئة الثورة كان عليه أن يتعلم لغة المؤسسات. والرجل الذي عرف الجبل والجبهة أصبح أمام برلمان وحكومة وانتخابات، وأمام مجتمع يحتاج إلى الخدمات والإدارة والاستقرار بقدر حاجته إلى الدفاع عن حقوقه السياسية.
لهذا تبدو سنة 1991 أكثر أهمية من كونها مجرد محطة في التسلسل الزمني.
بعد الانتفاضة الكوردية، ظهرت أمام كوردستان فرصة نادرة للخروج من منطق الثورة وحده. وفي نوروز من ذلك العام، دعا بارزاني في كويسنجق إلى انتخاب مجلس وطني وتشكيل حكومة، ثم جرت أول انتخابات برلمانية في الإقليم عام 1992.
كانت الفكرة أكبر من مجرد انتخابات.
كان هناك انتقال تدريجي من شرعية الثورة إلى شرعية المؤسسات؛ من البندقية بوصفها أداة للدفاع إلى البرلمان بوصفه أداة لإدارة الاختلاف. وهذا النوع من التحول لا يحدث بسهولة في مجتمع عاش عقوداً من الحرب والاضطهاد.
فالانتقال من الجبل إلى البرلمان لا يعني أن الخلافات تنتهي، بل يعني أن الخلاف يبدأ في البحث عن مكان آخر.
وبعد 2003، اتسعت مسؤولية بارزاني أكثر.
لم تعد علاقته ببغداد قائمة فقط على مواجهة نظام مركزي، بل أصبح جزءاً من عملية سياسية تعيد تشكيل العراق نفسه. شارك في مجلس الحكم العراقي، وتولى رئاسته الدورية عام 2004، ثم أصبح رئيساً لإقليم كوردستان عام 2005.
وفي تلك المرحلة، كان التحدي مختلفاً: كيف يمكن تثبيت حقوق كوردستان داخل عراق جديد، لا من خلال القوة وحدها، وإنما من خلال الدستور؟
جاء دستور العراق لعام 2005 ليكرس النظام الاتحادي ويعترف بإقليم كوردستان وسلطاته، ويمنح الأقاليم صلاحيات تشريعية وتنفيذية وقضائية، فيما نصت المادة 121 على صلاحيات الإقليم في تنظيم قوات الأمن الداخلية.
كان ذلك تحولاً مهماً في طبيعة القضية الكوردية نفسها؛ فجزء كبير من المطالب التي كانت تُطرح سابقاً في ساحات الصراع أصبح يُناقش داخل نص دستوري ومؤسسات دولة.
لكن التاريخ لا يسمح للسياسيين بالبقاء طويلاً في منطقة آمنة.
في صيف 2014، جاء تنظيم داعش ليعيد المنطقة كلها إلى حالة الطوارئ. انهارت قطعات عسكرية عراقية واسعة، واتسعت رقعة الخطر، وأصبحت البيشمركة في مواجهة مباشرة مع التنظيم في جبهات متعددة.
في تلك المرحلة، عاد بارزاني إلى صورة القائد الميداني. لم يكن الأمر مجرد إدارة سياسية للحرب، بل كان اختباراً مباشراً لقدرة الإقليم على حماية أراضيه وسكانه في واحدة من أخطر مراحل تاريخ العراق الحديث.
وهنا يظهر جانب آخر من شخصيته السياسية.
فالرجل الذي عمل سنوات على بناء المؤسسات وجد نفسه مرة أخرى أمام سؤال السلاح. لكن هذه المرة لم يكن السلاح مرتبطاً بثورة ضد نظام سياسي، بل بحرب على تنظيم إرهابي عابر للحدود، وبمعركة أصبحت جزءاً من مواجهة دولية أوسع ضد داعش.
ثم جاء 25 أيلول 2017.
الاستفتاء على الاستقلال كان أكثر من عملية تصويت. كان محاولة لوضع سؤال تقرير المصير أمام المجتمع الدولي بصورة مباشرة، بعد سنوات طويلة من التجربة السياسية مع بغداد.
لكن السياسة ليست رغبات فقط.
كانت هناك بغداد، ودول الجوار، والمجتمع الدولي، وحسابات الأمن والاقتصاد والحدود، وكلها دخلت في لحظة واحدة إلى المشهد.
جاءت النتائج لمصلحة الاستقلال بأغلبية ساحقة من المشاركين، لكن التطورات التي أعقبت الاستفتاء كشفت الفارق بين قوة التصويت وقوة موازين القوى. وانتهت المرحلة إلى أزمة سياسية وأمنية عميقة، أعادت ترتيب العلاقة بين بغداد وأربيل.
وهنا، ربما، يصبح من الضروري أن نقرأ الحدث بعيداً عن لغة الاحتفال أو الإدانة.
فالقرار التاريخي لا يُقاس فقط بالنوايا التي تقف خلفه، وإنما أيضاً بما أنتجه على الأرض. والاستفتاء سيبقى، سواء اتفقنا مع توقيته أو اختلفنا معه، واحدة من أكثر المحطات تأثيراً في التاريخ السياسي الحديث لكوردستان.
بعد ذلك بوقت قصير، اتخذ بارزاني قراراً آخر لا يقل دلالة.
ففي تشرين الأول 2017، رفض تمديد رئاسته لإقليم كوردستان، وتنازل عن صلاحياته الرئاسية، بينما استمر في رئاسة الحزب الديمقراطي الكوردستاني.
قد يقرأ البعض هذه الخطوة من زاوية سياسية، وقد يراها آخرون نتيجة مباشرة لأزمة ما بعد الاستفتاء. لكن في الحالتين، تبقى مغادرة موقع الرئاسة لحظة تستحق التوقف، لأنها تقول إن السلطة ليست دائماً هي النهاية التي يسعى إليها السياسي.
ومن هنا يمكن فهم تجربة مسعود بارزاني بصورة مختلفة.
ليس باعتباره قائداً لم يتغير منذ بداية الطريق، وإنما باعتباره شخصية اضطر الزمن إلى تغيير أدواتها باستمرار.
من الجبل إلى المؤسسة.
من الثورة إلى الانتخابات.
من المواجهة مع بغداد إلى التفاوض داخل نظام اتحادي.
ومن قيادة البيشمركة في مواجهة داعش إلى خوض واحدة من أكثر المعارك السياسية حساسية حول مستقبل كوردستان.
هذه التحولات هي التي تجعل سيرته أكبر من مجموعة من التواريخ.
فالسياسة في منطقتنا غالباً ما تضع الرجال أمام خيارات صعبة، وأحياناً لا يكون هناك قرار مثالي، بل قرار يعتقد صاحبه أنه الأقل كلفة في لحظة معينة.
وهذا ينطبق على بارزاني كما ينطبق على غيره.
يمكن أن يؤيده الإنسان، ويمكن أن يختلف معه. يمكن أن يرى بعض قراراته ضرورية، ويرى بعضها الآخر قابلاً للنقاش. لكن الاختلاف معه لا يلغي حقيقة أنه كان واحداً من أكثر الشخصيات حضوراً في تشكيل المشهد السياسي الكوردي والعراقي خلال العقود الأخيرة.
والتاريخ، في النهاية، لا يحتاج إلى المبالغة كي يكون منصفاً.
لا يحتاج إلى تحويل القائد إلى أسطورة، ولا إلى اختزاله في خصومة سياسية.
يكفي أن نضع الرجل في زمنه، وننظر إلى القرارات التي اتخذها، والظروف التي أحاطت بها، والنتائج التي تركتها.
وهنا تحديداً يصبح عنوان هذه السيرة أكثر وضوحاً:
مسعود بارزاني.. هكذا يصنع التاريخ.
ليس لأن التاريخ يصنعه رجل واحد، ولا لأن كل قرار يتخذه السياسي يتحول بالضرورة إلى إنجاز، وإنما لأن بعض الشخصيات تصل إلى لحظة يصبح فيها قرارها جزءاً من ذاكرة أمة كاملة.
ومسعود بارزاني عاش كثيراً من هذه اللحظات.
ولهذا ستبقى تجربته مفتوحة على أكثر من قراءة، وربما يحتاج الحكم النهائي عليها إلى زمن أطول من عمر السياسة نفسها.
فالتاريخ لا يكتب حكمه في يوم واحد.
إنه ينتظر.
ثم يقرر.

قد يعجبك ايضا