كريم عباس حسن وسرديات الذاكرة والمنفى في الرواية العراقية المعاصرة

نبيل عبد الأمير الربيعي

يشغل الروائي العراقي كريم عباس حسن موقعاً متقدماً ضمن جيل الروائيين العراقيين الذين تشكل وعيهم الإبداعي في ظل التحولات العاصفة التي شهدها العراق خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين. وتكتسب تجربته السردية أهميتها من كونها تتأسس على تفاعل مستمر بين الذاكرة الشخصية والتاريخ الجمعي، وبين تجربة المنفى وأسئلة الهوية والانتماء، الأمر الذي جعل من أعماله الروائية سجلاً فنياً لتحولات الذات العراقية وهي تواجه القمع السياسي والاقتلاع المكاني والانكسارات التاريخية.
ومن خلال رواياته: (مصير بلقيس)، و(البطريق الحالم)، و(قاموس الخلاص)، و(غابة همرباكر)، و(حنين لسوريا)، يبلور الكاتب مشروعاً سردياً يقوم على استعادة الذاكرة بوصفها فعلاً للمقاومة الثقافية، وعلى تحويل التجربة الفردية إلى مادة روائية تتجاوز حدود السيرة الذاتية نحو أفق إنساني أشمل.
تحتل الذاكرة موقعاً مركزياً في البناء الروائي لدى كريم عباس حسن، إذ لا تظهر بوصفها استرجاعاً زمنياً للأحداث فحسب، بل تتحول إلى آلية فنية لإعادة إنتاج الماضي وتأويله. فالشخصيات في رواياته لا تعيش الحاضر بمعزل عن ماضيها، بل تتحرك داخل شبكة من الذكريات المتداخلة التي تفرض حضورها على السرد باستمرار.
وفي رواية (قاموس الخلاص) على وجه الخصوص، تتخذ الذاكرة وظيفة توثيقية وجمالية في آن واحد؛ إذ تستعيد الرواية حقبة سياسية شديدة التعقيد من تاريخ العراق الحديث، من خلال شخصيات تحمل جراح السجن والمطاردة والمنفى. غير أن الكاتب لا يكتفي بتسجيل الوقائع، بل يعيد تشكيلها فنياً عبر لغة سردية تستثمر الاسترجاع والتداعي الحر وتعدد مستويات الزمن الروائي.

وهكذا تصبح الذاكرة لدى كريم عباس حسن شكلاً من أشكال مقاومة النسيان، ومحاولة لإعادة الاعتبار للأفراد الذين همشتهم السرديات الرسمية للتاريخ.
تنتمي تجربة كريم عباس حسن إلى ما يمكن تسميته بـ(أدب المنفى العراقي)، وهو الأدب الذي نشأ نتيجة موجات الهجرة والتهجير السياسي التي شهدها العراق منذ سبعينيات القرن الماضي. غير أن المنفى في أعماله لا يُقدَّم باعتباره انتقالاً جغرافياً فحسب، بل بوصفه حالة وجودية مركبة.
فشخصياته غالباً ما تعيش ازدواجية الانتماء بين وطن غائب ومكان جديد لا يتحول بسهولة إلى وطن بديل. ولهذا تظهر المدن الأوروبية في رواياته بوصفها فضاءات للتأمل والمراجعة وإعادة اكتشاف الذات، بينما يظل العراق حاضراً كذاكرة جمعية لا تغادر الوعي.
وفي رواية (غابة همرباكر) تتجلى هذه الرؤية بوضوح، حيث يتداخل المكان الاسكندنافي مع الأمكنة العراقية المستعادة من الذاكرة، فينشأ فضاء روائي مزدوج يعكس انقسام الذات بين عالمين مختلفين ثقافياً وتاريخياً.
تقنيات السرد وبناء النص الروائي
يعتمد كريم عباس حسن على مجموعة من التقنيات السردية التي تمنح نصوصه طابعاً تأملياً وإنسانياً واضحاً.
أول هذه التقنيات هو تكسير التسلسل الزمني التقليدي، إذ تتقدم الأحداث وتتراجع وفق حركة الذاكرة أكثر مما تخضع لمنطق الزمن الخطي. وهذا ما يمنح الرواية بعداً نفسياً عميقاً ويجعل القارئ مشاركاً في إعادة تركيب الأحداث.
أما التقنية الثانية فتتمثل في توظيف السيرة الذاتية بوصفها مادة روائية. فالكثير من الشخصيات والأحداث تستند إلى تجارب واقعية أو شبه واقعية، لكنها تخضع لإعادة تشكيل فني يجعلها جزءاً من عالم الرواية لا مجرد وثيقة تاريخية.
وتبرز كذلك تقنية الحوار الداخلي والمونولوج النفسي، حيث تتحول الشخصية إلى راوٍ لذاتها، كاشفةً عن مخاوفها وهواجسها وأسئلتها الوجودية. ويقترن ذلك بلغة تميل إلى الوضوح والاقتصاد التعبيري، بعيداً عن الزخرفة البلاغية، بما يتلاءم مع طبيعة الموضوعات التي يتناولها الكاتب.

قد يعجبك ايضا