نبيل عبد الأمير الربيعي
يُعد الأديب والروائي والصحفي العراقي علي عبد العال واحداً من أبرز الأصوات السردية التي أسهمت في تشكيل ملامح أدب المنفى العراقي خلال العقود الأخيرة. فمنذ مغادرته العراق أواخر سبعينيات القرن الماضي واستقراره في السويد، ظل يحمل وطنه في الذاكرة والوجدان، محولاً تجربة الاغتراب القاسية إلى مشروع إبداعي وإنساني واسع، جمع بين الرواية والقصة والسيرة الذاتية والعمل الصحفي، ليقدم شهادة أدبية نادرة عن الإنسان العراقي في مواجهة الاستبداد والمنفى والتشظي.
ولد علي حسين عبد العال في مدينة الديوانية عام 1956، ودرس القانون والعلوم السياسية في جامعة بغداد بين عامي 1975 و1979، وهي مرحلة شهدت تحولات سياسية عاصفة في العراق تركت آثارها العميقة على جيله. وبعد مغادرته البلاد، تنقل بين محطات المنفى قبل أن يستقر في السويد عام 1990، حيث أصبح عضواً في اتحاد الكتاب السويديين منذ عام 1996، مواصلاً نشاطه الثقافي والإعلامي بين الصحافة العربية والعراقية والسويدية.
لقد تميز مشروعه الأدبي بخصوصية واضحة، فهو لا يكتب عن المنفى بوصفه مكاناً جغرافياً فحسب، بل باعتباره حالة وجودية ونفسية وثقافية معقدة. في أعماله السردية تتجاور الذاكرة العراقية مع الواقع الأوروبي، ويتحول الحنين إلى الوطن إلى قوة فنية تكشف تناقضات الإنسان وهو يواجه فقدان المكان الأول. ولهذا جاءت رواياته ومجاميعه القصصية مثل (المشي في الحلم)، و(العنكبوت)، و(أقمار عراقية سوداء في السويد)، و(ميلاد حزين)، و(جمر عراقي على ثلج سويدي) نصوصاً تنبض بأسئلة الهوية والاقتلاع والبحث عن المعنى.
غير أن تجربة علي عبد العال لا يمكن اختزالها في بعدها الأدبي وحده، فهي ترتبط أيضاً بمسيرة نضالية طويلة عاشها بنفسه خلال سنوات المواجهة مع النظام الدكتاتوري السابق. فقد انخرط في تجربة الأنصار الشيوعيين في جبال كردستان، تلك التجربة التي شكلت واحدة من أكثر الصفحات تعقيداً وألماً في تاريخ المعارضة العراقية المعاصرة. وهناك، في الجبال الوعرة والقرى الكردية النائية، عاش الكاتب تفاصيل الكفاح المسلح بكل ما حمله من آمال وإخفاقات وتضحيات.

ومن خلال شهاداته ورواياته وسيرته الذاتية (رقم الغياب)، يقدم عبد العال توثيقاً إنسانياً لتلك المرحلة، بعيداً عن الشعارات السياسية الجامدة. فهو لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يغوص في أعماق التجربة الإنسانية للمناضلين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة آلة قمعية هائلة، وسط ظروف طبيعية قاسية وبيئة جديدة لم يكونوا مهيئين لها. ومن هنا تأتي أهمية شهادته بوصفها وثيقة أدبية وتاريخية تكشف جوانب من حياة جيل كامل دفع أثماناً باهظة دفاعاً عن حلم الحرية.
وتبرز في حديثه عن كردستان مشاعر الامتنان العميق للشعب الكردي الذي احتضن المناضلين العرب وقدم لهم العون في أصعب الظروف. فبينما كانت السلطة تمارس أقسى أشكال العنف ضد الكُرد والعراقيين عموماً، كانت القرى الكُردية تقدم نموذجاً للتضامن الإنساني والمقاومة المشتركة ضد الاستبداد. لذلك فإن ذاكرة الأنصار في كتابات عبد العال ليست مجرد سرد لوقائع عسكرية، بل هي استعادة لقيم إنسانية نبيلة تشكلت في زمن المحنة.
وفي سيرته (رقم الغياب) تتسع مساحة التأمل لتشمل العراق بكل طبقاته التاريخية والثقافية. فالسيرة ليست مجرد استرجاع لحياة شخصية، بل رحلة في الذاكرة العراقية، تستحضر التراث والأساطير والحكايات الشعبية والتحولات السياسية والاجتماعية التي مرت بها البلاد. ومن خلال هذه الرحلة يتجسد العراق بوصفه وطناً يسكن أبناءه حتى وهم بعيدون عنه آلاف الكيلومترات.
لقد ظل علي عبد العال وفياً للحقيقة كما رآها وعاشها، ولذلك لم يتردد في تناول القضايا الخلافية أو مراجعة التجارب السياسية التي مر بها. فهو ينتمي إلى ذلك النوع من الكُتّاب الذين يرون في الأدب مساحة للنقد والمساءلة والكشف، لا مجرد وسيلة للتجميل أو التبرير. ولهذا جاءت أعماله محملة بأسئلة مؤلمة حول جدوى النضال، ومعنى التضحية، ومصير الأحلام الكبرى عندما تصطدم بوقائع التاريخ.
إن تجربة علي عبد العال تمثل في جوهرها سيرة جيل عراقي كامل عاش الوطن والمنفى معاً، وحمل جراحه وأسئلته عبر العقود. ومن هنا تكتسب كتاباته قيمتها الأدبية والتوثيقية، لأنها لا تنقل أحداثاً فحسب، بل تحفظ ذاكرة إنسانية مهددة بالنسيان. ولعل أهم ما يميز هذه التجربة أنها تنطلق من الصدق الإنساني العميق، ذلك الصدق الذي يجعل القارئ يرى في صفحاتها صورة العراق بكل آلامه وآماله، ويستمع من خلالها إلى صوت إنسان لم يتخلَ عن وطنه، حتى وهو يكتب عنه من أقاصي المنافي.
وهكذا يبقى علي عبد العال واحداً من أبرز كُتّاب المنفى العراقي، شاهداً على زمن مضطرب، وحارساً لذاكرة وطن ما زال يبحث عن خلاصه، فيما تواصل أعماله الأدبية أداء دورها في توثيق تجربة إنسانية استثنائية ستظل جزءاً مهماً من تاريخ الثقافة العراقية الحديثة.
[12/06/2026 04:08 م] جواد كاظم: من أبرز أعمال الروائي والقاص العراقي علي عبد العال في مجال الرواية والسرد:
1-رواية (جمر عراقي على ثلج سويدي) صدرت عن دار التكوين السورية في عام 2008م، وتعد من أهم أعماله التي تسلط الضوء على ظاهرة المنفى والغربة.
2-رواية (ميلاد حزين) صدرت عن دار حوران بدمشق عام 2005م.
3-ثلاثية (أزمان للمنافي) وتضم ثلاث حكايات صدرت عام 2005م.
4-مجموعة (عالم صغير جداً) مجموعة قصصية صدرت عن وزارة الثقافة السورية في عام 2007م.
كما يمتلك رصيداً أدبياً مميزاً من الإصدارات السابقة التي ركزت بشكل أساسي على تيمة الاغتراب، منها:
1-مجموعة (المشي في الحلم) القصصية (1987م).
2-رواية (مقتل علي بن ظاهر ومتاهته) (1996م).
3-رواية (أقمار عراقية سوداء في السويد) (2004م).