نبيل عبد الأمير الربيعي
ليس من الحكمة أن تدار علاقات الدول مع شعوب الجوار بمنطق القوة والتهديد والقصف، لأن الجغرافيا قد تفرض الحدود، لكنها لا تستطيع أن تفرض المحبة. ومن هذه الزاوية تبرز الأسئلة بشأن القصف الإيراني لإقليم كوردستان، بوصفها قضية تتجاوز حدود الحادث الأمني إلى طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تجمع إيران بمحيطها الإقليمي.
إن اللجوء المتكرر إلى القوة العسكرية، وقصف أراضي دولة مجاورة أو إقليم يتمتع بوضع دستوري داخل العراق، لا يصنع أمناً مستداماً، بل يمكن أن ينتج ذاكرة من الخوف والمرارة والكراهية. والدول التي تمتلك ثقلاً سياسياً وعسكرياً كبيراً تكون مطالبة، أكثر من غيرها، بأن تستخدم هذا الثقل لبناء علاقات مستقرة، لا لتوسيع دوائر الخصومة.
من هنا يبرز سؤال مشروع أمام الدبلوماسية الإيرانية: لماذا تتحول أراضي إقليم كوردستان إلى هدف للضربات الإيرانية، وما الذي يمكن أن تحققه هذه العمليات سوى تعميق التوتر بين طهران وأربيل، وإضافة صفحة جديدة إلى سجل الخلافات الإقليمية؟
إن معالجة المخاوف الأمنية لا تكون بالضرورة عبر القصف. فهناك قنوات دبلوماسية، وحوارات أمنية، واتفاقات ثنائية، وآليات قانونية يمكن اللجوء إليها لمعالجة أي تهديد ترى دولة ما أنه ينطلق من أراضي جارتها. أما تحويل الحدود إلى خطوط مفتوحة للعمليات العسكرية، فإنه يضعف الثقة ويمنح خصوم الدولة مبررات إضافية للتصعيد.
والأكثر إثارة للقلق أن العلاقات بين الشعبين الإيراني والكوردي ليست وليدة السياسة الراهنة؛ فهناك تاريخ طويل من التداخل الثقافي والجغرافي والاجتماعي، فضلاً عن روابط عميقة بين المجتمعات الكوردية على جانبي الحدود. ولذلك فإن السؤال لا يتعلق فقط بالحسابات الأمنية للحظة الراهنة، بل بمستقبل علاقة شعبين تجمعهما وشائج تاريخية لا ينبغي أن تكون ضحية للصراعات السياسية.
كما أن استخدام تهمة (العمالة لإسرائيل) ضد المعارضين الموجودين في إقليم كوردستان يحتاج إلى نقاش يتجاوز الخطاب السياسي الجاهز. فاتهامات العمالة والتبعية كثيراً ما كانت سلاحاً متبادلاً في صراعات المنطقة، واستخدمتها أنظمة مختلفة ضد خصومها، قبل أن تكشف الوقائع لاحقاً أن العلاقات السرية بين الدول أكثر تعقيداً بكثير من الشعارات التي كانت ترفعها في العلن. لذلك فإن استدعاء التاريخ ليس بهدف تبرئة طرف أو إدانة آخر، بل للتذكير بأن الاتهامات الكبرى تحتاج إلى أدلة، وأن السياسة الدولية لا تقرأ دائماً من خلال ما يقال أمام الجمهور.
إن أمن إيران لا يمكن فصله عن أمن جيرانها، كما أن أمن العراق وإقليم كوردستان لا ينبغي أن يتحول إلى ورقة في الصراعات الإقليمية. فالجوار المستقر مصلحة مشتركة، بينما استمرار سياسة القصف والتهديد لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الخصومات.
في النهاية، فإن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على إطلاق الصواريخ، بل بقدرتها على بناء علاقات تجعل جيرانها يشعرون بالأمان بدل الخوف. وإذا كانت إيران تريد أن تحافظ على نفوذها ومكانتها في المنطقة، فإن طريق الحوار والاحترام المتبادل سيكون أكثر جدوى من سياسة القوة، لأن الشعوب قد تنسى بعض الخلافات السياسية، لكنها لا تنسى بسهولة من قصف مدنها وأراضيها.