محمد علي محيي الدين
في سجل الصحافة العراقية الحديثة أسماء كثيرة أسهمت في تشكيل الوعي الثقافي والسياسي للمجتمع، لكن بعض الشخصيات تميزت بقدرتها على الجمع بين أكثر من مجال، فكانت معلماً ومثقفاً ومترجماً وصحفياً وسياسياً في آن واحد. ومن بين هذه الشخصيات يبرز اسم سليم حسون، أحد أبناء الموصل الذين تركوا أثراً واضحاً في الحياة الثقافية والصحفية العراقية خلال النصف الأول من القرن العشرين، وأسهموا في بناء تقاليد الصحافة الوطنية وترسيخ دورها في متابعة قضايا المجتمع والوطن.
ولد سليم حسون في مدينة الموصل سنة 1871، ونشأ في بيئة علمية وثقافية كان لها أثر كبير في تكوين شخصيته. تلقى تعليمه في مدرسة الآباء الدومنيكان التي تأسست في الموصل سنة 1854، وكانت آنذاك من المؤسسات التعليمية المهمة التي أسهمت في نشر المعرفة واللغات والعلوم الحديثة. وقد أظهر منذ سنواته الأولى تفوقاً واضحاً، الأمر الذي أهله بعد تخرجه لأن يكون عضواً في هيئة التدريس في هذه المدرسة، ليبدأ بذلك مسيرة تربوية وثقافية طويلة.
لم يكن سليم حسون معلماً فقط، بل كان صاحب اهتمام واسع بالطباعة والنشر، إذ أشرف على معظم نشاطات مطبعة الدومنيكان، وشارك في إعداد الكتب التعليمية، ومن أبرز مؤلفاته كتابه “تعليم الطلاب أصول التصريف والإعراب” الذي طبع في الموصل سنة 1899، وهو كتاب يعكس اهتمامه باللغة العربية وحرصه على خدمة التعليم. كما كان من المساهمين في تحرير مجلة “إكليل الورود” التي أصدرها الآباء الدومنيكان سنة 1902 باللغة العربية، بعد أن كانت تصدر أيضاً بالفرنسية والكلدانية، وتعد هذه المجلة من العلامات المبكرة في تاريخ الصحافة العراقية، إذ صدر عددها الأول في كانون الأول سنة 1902 واستمرت حتى سنة 1909.
وقد شارك سليم حسون في إثراء صفحات المجلة بالقصائد والمقالات، كما اتجه إلى مجال الترجمة، فترجم عدداً من المسرحيات عن اللغتين الفرنسية والإنكليزية، ومن بينها مسرحية “استشهاد ثرسيوس” التي طبعت سنة 1902. ويذكر الأستاذ الدكتور عمر الطالب أن معظم المسرحيات التي ترجمها حسون كانت ذات طابع كنسي وتعليمي، وكان الهدف منها نشر المعرفة الدينية والأخلاقية بأسلوب أدبي.
ومع بداية القرن العشرين اتسعت دائرة نشاطه، فقبل الحرب العالمية الأولى بقليل عهدت إليه القنصلية الألمانية في الموصل إدارة مكتبتها المعروفة بـ”المكتبة الألمانية”، مما أتاح له الاطلاع على مصادر ثقافية متنوعة، وتعزيز علاقاته بالوسط الثقافي. وبعد دخول القوات البريطانية إلى الموصل سنة 1918، عُين مفتشاً لمعارف منطقة الموصل، وكان هذا المنصب في مرحلة دقيقة شهدت صراعاً بين محاولات الإدارة البريطانية فرض توجهاتها التعليمية وبين رغبة الوطنيين العراقيين في الحفاظ على هوية التعليم واستقلاله.
وفي تلك المرحلة كان سليم حسون من الشخصيات الثقافية التي شاركت في النشاط العام، فقد أصبح عضواً في الهيئة الإدارية للنادي العلمي الذي عقد اجتماعه الأول في 18 تشرين الثاني 1918، إلى جانب عدد من الشخصيات الموصلية البارزة مثل الدكتور عارف معروف بك وشريف الصابونجي ومكي الشربتي وغيرهم. وكان هذا النادي يمثل مساحة ثقافية وفكرية، لكنه سرعان ما أثار قلق السلطات البريطانية بسبب تحول نشاطه إلى مجال للتعبير عن التوجهات الوطنية والقومية، فأُغلق بعد فترة قصيرة.
كما أسهم حسون في تحرير مجلة النادي العلمي التي صدر عددها الأول في 15 كانون الثاني 1919، إلا أنها لم تستمر طويلاً، إذ توقفت بعد صدور ثمانية أعداد فقط في نيسان من العام نفسه. وشارك كذلك في تحرير “جريدة الموصل” التي أعاد البريطانيون إصدارها بعد احتلال المدينة، وكانت الصحيفة إحدى المنابر التي شهدت بدايات العمل الصحفي المنظم في مرحلة الانتقال السياسي التي عاشها العراق بعد الحرب العالمية الأولى.
كان لسليم حسون أيضاً حضور في مجال الإدارة التعليمية، إذ كان عضواً في مجلس معارف لواء الموصل الذي تشكل سنة 1920، وضم نخبة من الشخصيات الدينية والاجتماعية والثقافية في المدينة. وقد شهدت فترة عمله مفتشاً للمعارف جدلاً واسعاً حول سياسة التعليم التي حاولت الإدارة البريطانية توجيهها بما يخدم مصالحها، فعارض المعلمون الوطنيون تلك التوجهات، ورفعوا مطالبهم بإبعاد بعض المسؤولين الأجانب وتعيين إدارات عراقية أكثر ارتباطاً بمصالح المجتمع. وأسفر ذلك عن تعيين عاصم الجلبي مديراً لمعارف الموصل سنة 1922، ونقل سليم حسون إلى البصرة، لكنه لم يمكث هناك طويلاً، إذ اختار ترك الوظيفة والتوجه إلى العمل الحر.
بعد ذلك سافر حسون إلى عدد من البلدان الأوروبية، وعاد إلى العراق وهو يحمل خبرة أوسع في مجال الطباعة والصحافة، فأسس مطبعة حديثة، وكانت هذه الخطوة مقدمة لإطلاق مشروعه الصحفي الأبرز، إذ أصدر في 25 آذار سنة 1924 جريدة “العالم العربي” في بغداد، التي أصبحت واحدة من الصحف المهمة في تاريخ الصحافة العراقية الحديثة. وظل يرأس تحريرها حتى وفاته في 4 تشرين الأول سنة 1947، ثم تولى ابنه مجيب حسون مسؤولية تحريرها بعده.
لم تقتصر حياة سليم حسون على الصحافة، بل امتدت إلى العمل السياسي، فقد انتخب نائباً عن الموصل في الدورة الانتخابية الرابعة لمجلس النواب العراقي التي بدأت سنة 1933، ثم عاد نائباً في الدورة الخامسة سنة 1934، كما مثل بغداد في الدورة الانتخابية الثانية سنة 1937. وقد جمع في عمله النيابي بين الخبرة الثقافية والاهتمام بالقضايا الوطنية، مستفيداً من تجربته الطويلة في الصحافة والتعليم.
تميزت جريدة “العالم العربي” التي أسسها سليم حسون بالاعتدال في خطابها السياسي، وقد وصفها الصحفي المعروف روفائيل بطي في كتابه “الصحافة في العراق” بأنها كانت، حتى عندما تنتقد، تصوغ انتقاداتها بأسلوب هادئ وغير صدامي مع أصحاب السلطة. إلا أن هذا الاعتدال لم يمنعها من اتخاذ مواقف وطنية واضحة، فقد اهتمت بمتابعة أخبار العراق والعالم، ونقلت ما تنشره الصحافة الأجنبية، كما عُرفت بدفاعها عن عروبة فلسطين ومناهضتها للسياسات الاستعمارية والصهيونية، الأمر الذي منحها مكانة خاصة لدى القراء.
لقد كان سليم حسون نموذجاً للمثقف العراقي الذي لم يحصر دوره في مجال واحد، فقد جمع بين التعليم والصحافة والترجمة والعمل السياسي، وأسهم في بناء جسر بين الثقافة الحديثة والهوية الوطنية. وكما يذكر المؤرخ الدكتور إبراهيم خليل العلاف في مقاله “سليم حسون 1871-1947 والصحافة العراقية المعاصرة” المنشور في موقع الحوار المتمدن بتاريخ 14 آذار 2009، فإن حسون يمثل إحدى الشخصيات التي تستحق التوقف عندها في تاريخ الصحافة العراقية، لما قدمه من جهود في مرحلة كانت فيها الصحافة وسيلة أساسية لصناعة الوعي والدفاع عن قضايا المجتمع.
رحل سليم حسون سنة 1947، لكن أثره بقي حاضراً في ذاكرة الصحافة العراقية، بوصفه واحداً من الرواد الذين ساهموا في انتقال الصحافة من مرحلة البدايات إلى مرحلة أكثر نضجاً، وجعلوا من الكلمة المكتوبة أداة للمعرفة والتنوير وخدمة الوطن.