الوزاري… القلق الذي يقرع باب البيت قبل الأسئلة

أوس ستار الغانمي

في كل عام، تعيش آلاف البيوت العراقية هذاالسيناريو نفسه، حتى صار الوزاري موسماً ثابتاًمن مواسم القلق الجماعي، تدخل فيه العائلة كلهاقاعة الامتحان ويبقى السؤال معلقاً فوق الطاولاتوالقلوب: كم عائلة تحتاج فعلاً إلى امتحان نفسيأكثر من حاجتها إلى امتحان دراسي؟

في كل صيف عراقي تقريباً، تتغير ملامح البيوتبطريقة يمكن ملاحظتها من أول جملة تُقال عندالباب: “ديروا بالكم عدنا طالب وزاري“.

الجملة تبدو عادية، لكنها عملياً إعلان رسمي لدخولالمنزل في حالة طوارئ نفسية مؤقتة، تمتد لأسابيعطويلة، وتعيد ترتيب تفاصيل الحياة اليومية وفق مزاجالامتحانات.

فجأة يصبح صوت الملاعق مرتفعاً أكثر من اللازم،وضحكة الأطفال حدثاً يحتاج إلى اعتذار، والتلفازكائناً متهماً بإضاعة المستقبل. حتى الأبواب تُغلقبحذر، وكأن البيت كله يمشي على أطراف أعصابه. في العراق، الامتحان الوزاري لا يخص الطالبوحده. هناك عائلة كاملة تدخل القاعة معه بطريقةغير مرئية. الأم تجلس قرب القلق أكثر مما تجلسقرب أبنائها، والأب يبدأ بحسابات القبولات الجامعيةقبل ظهور النتائج، والإخوة الصغار يعيشون موسماًغريباً من الصمت الإجباري، فيما يتحول الطالبإلى مشروع عائلي تتكدس فوق كتفيه أحلام البيتكله.

المفارقة أن كثيراً من العائلات تتعامل مع الوزاريبوصفه المعركة الأخيرة في الحياة. شهران منالاستنفار الكامل، كأن النتيجة القادمة ستحددمصير العائلة الاجتماعي بأكمله. ولهذا تتغير حتىلغة الحديث داخل المنزل؛ الكلمات تصبح حادة،الأعصاب أقصر، والأسئلة اليومية تحمل طابعالتحقيق أكثر من الاطمئنان: “كم فصل خلصت؟شنو تتوقع يجي؟ليش متوتر؟فلان يقرأ أكثرمنك.

الطالب هنا لا يواجه ورقة امتحان فقط، بل يواجهشعوراً ثقيلاً بأنه مسؤول عن حماية آمال الجميع منالخيبة.

وفي زاوية أخرى من المشهد، تظهر الأم العراقيةبوصفها الشخصية الأكثر إنهاكاً في موسمالوزاري. تسهر أكثر من الطالب أحياناً، تراقب نومه،طعامه، مزاجه، ساعات انقطاع الكهرباء، حرارةالغرفة، وحتى نبرة صوته. بعض الأمهات يدخلن فيقلق يومي يشبه العد التنازلي الطويل، حتى يتحولالامتحان إلى اختبار أعصاب جماعي داخل البيت.

أما الأب، فيمارس قلقه بطريقة مختلفة. يحاولالظهور بهدوء مصطنع، بينما تدور في رأسه أسئلةأكثر قسوة: ماذا لو انخفض المعدل؟ هل تكفيالدرجات للقبول؟ هل ضاعت سنوات الدروسالخصوصية؟ كم سيحتاج الأمر من إعادة ومحاولاتجديدة؟

وهنا تحديداً يبدأ الجانب الذي نادراً ما يناقشإعلامياً: “اقتصاد القلق.

العائلة العراقية خلال موسم الوزاري تدفع فاتورةنفسية ومالية في الوقت نفسه. اشتراكات إنترنت،أجور مدرسين، نقل، تبريد، مولدات، ملازم، أجهزة،ساعات دراسة طويلة، وبيوت تعيش ضغطاً مالياًصامتاً تحت عنوان واحد: “المستقبل.

لهذا يتحول الامتحان في وعي كثير من الأسر إلىاستثمار مرهق يخاف الجميع خسارته. وحتىالعائلات البسيطة تتعامل مع النتيجة كأنها تقريرمصير اقتصادي واجتماعي معاً.

وسط هذا كله، يختفي سؤال مهم جداً: ماذا يشعرالطالب فعلياً؟

كثير من الطلبة يعيشون خوفاً من خيبة الوجوه أكثرمن خوفهم من الأسئلة الوزارية نفسها. يخاف مننظرة الأب بعد نتيجة سيئة، ومن دمعة الأم، ومنالمقارنات التي ستبدأ فور إعلان النتائج. بعضهميشعر أن حبه داخل البيت مرتبط بالمعدل بصورة غيرمباشرة، لذلك يدخل الامتحان محملاً بأوزان نفسيةأكبر من عمره بكثير.

حتى البيوت العراقية نفسها تتغير ملامحها خلالهذا الموسم. الزيارات العائلية تتراجع، المناسباتتؤجل، أصوات الضحك تخفت، وكأن البلاد كلهادخلت فترة حساسة تحتاج إلىهدوء رسمي. المقاهي تمتلئ بحديث الأسئلة المتوقعة، ومواقعالتواصل تتحول إلى نشرات توتر جماعي، فيماتنتشر جملةدعواتكم للطلبة أكثر من نشراتالطقس.

المشهد يبدو أحياناً أقرب إلى طقس اجتماعيسنوي، تعيد فيه العائلات إنتاج القلق نفسه، معاختلاف أسماء الطلبة فقط.

ورغم أن كثيراً من الأسر تفعل ذلك بدافع الحبوالخوف على المستقبل، إلا أن الضغط المتواصليتحول أحياناً إلى عبء إضافي على الطالب. المتابعة الدقيقة، الأسئلة المتكررة، المقارنات، والحديثالمستمر عن المعدلات، تصنع جواً خانقاً يجعلالامتحان أكبر من حجمه الطبيعي.

في النهاية، يخرج الطالب من القاعة، لكن الامتحانلا يغادر البيت فوراً. يبدأ فصل جديد اسمهالانتظار. انتظار التصحيح، انتظار النتائج،انتظار القبولات، وانتظار المكالمة التي ستحدد شكلالفرح أو الصمت داخل المنزل.

وفي كل عام، تعيش آلاف البيوت العراقية هذاالسيناريو نفسه، حتى صار الوزاري موسماً ثابتاًمن مواسم القلق الجماعي، تدخل فيه العائلة كلهاقاعة الامتحان ويبقى السؤال معلقاً فوق الطاولاتوالقلوب: كم عائلة تحتاج فعلاً إلى امتحان نفسيأكثر من حاجتها إلى امتحان دراسي؟

قد يعجبك ايضا