مهند محمود شوقي
بعد عام 2010، طفت على الساحة في العراق وإقليم كوردستان مجموعة من الشخصيات التي دخلت المجال الصحفي والإعلامي، ثم ازداد الأمر تعقيداً بعد عام 2014، حين أصبح الجميع تقريباً يتحدث باسم الإعلام ويمارس أدواره، حتى اختلط الحابل بالنابل، وتساوت القرعة مع أم الشعر.
ظهرت صفحات وشخصيات تمتهن «اللاشيء» تحت مسمى الإعلام؛ فتارةً تقدم نفسها بوصفها إعلامية، وتارةً محللة، وأخرى تظهر في صورة مدافعة عن حقوق الإنسان، أو باسم منظمة ومناشدة، وأحياناً في دور المخبر السري، أو في مرافقة المسؤولين والتقاط الصور معهم، ثم تقديم كل ذلك على أنه عمل إعلامي.
لا ضير في أن يبحث الإنسان عن مصدر رزقه وسط أعباء الحياة وضغوطها، ولا مشكلة في أن يعمل في أكثر من مجال. لكن الضرر يبدأ عندما تستمر هذه الشخصيات في تقديم نفسها بوصفها «إعلاميين» أو «محللين»، وتفرض هذه الصفات على المهنة، بينما تمارس أدواراً مختلفة لا علاقة لها بالصحافة.
كن ما تريد، ومارس ما تريد، وابحث عن رزقك بالطريقة التي تراها مناسبة، لكن لا تفرض ما تريد على حساب مهنة لها تاريخها وأصولها ومعاييرها.
فكلمة «إعلامي» أكبر من أن تختزل في شخص يجعل من هذا المسمى وسيلة للكسب غير المشروع أو لتحقيق مصالح بعيدة عن جوهر المهنة. وكذلك صفة «المحلل» ليست لقباً يُمنح لمجرد الظهور أمام الكاميرا، وإنما يفترض أن تستند إلى معرفة وخبرة وقراءة موضوعية للوقائع.
وهنا تتحمل نقابات الصحفيين في العراق مسؤولية أساسية في عملية الغربلة والتنظيم؛ فالصحفي صحفي، وصاحب المنظمة صاحب منظمة، والحقوقي حقوقي، ومن يعمل في مجال الرصد أو نقل المعلومات له صفته ومساره. أما جمع كل هذه الأدوار في شخص واحد، ثم وضعها جميعاً تحت عنوان «إعلامي»، فهو خلل بدأ ينعكس سلباً على صورة المهنة وقيمتها.
والأمر لا يتعلق فقط بتنظيم المهنة، بل يمتد إلى المشهد السياسي نفسه. فحين تختلط الأدوار، ويصبح الإعلام مساحة مفتوحة لكل من يريد التأثير أو الضغط أو المناورة، تتحول بعض المنصات إلى جزء من الصراع السياسي بدلاً من أن تكون مساحة لفهمه ومراقبته. ومن هنا فإن احتواء الساحة السياسية يبدأ، في جانب منه، من غربلة الإعلام وإعادة الاعتبار إلى المهنة وأخلاقياتها.
والطريف أن عدداً من كبار الكتاب والصحفيين في العالم لم يتجرأوا يوماً على منح أنفسهم هذه التسمية بسهولة؛ لأنهم يعرفون أن الصحافة ليست لقباً يُعلّق على الاسم، بل مهنة تُثبتها الممارسة والمسؤولية والاستقلال والقدرة على البحث والتحقق والكتابة.
المشكلة، إذن، ليست في أن يعمل الإنسان في أكثر من مجال، وإنما في أن تختلط الصفات حتى تفقد المهنة معناها، ويصبح كل من يملك صفحة أو هاتفاً وكاميرا «إعلامياً»، وكل من يظهر أمام شاشة «محللاً».
إن حماية الإعلام لا تعني إقصاء أحد، ولا منع الناس من التعبير، وإنما تعني ببساطة أن تكون لكل مهنة صفتها، ولكل دور عنوانه، وأن يعرف الجمهور الفرق بين الصحفي والناشط والحقوقي وصاحب المنظمة والمحلل والمعلق والمخبر.
الصحافة مهنة، والإعلام مسؤولية، واللقب لا يصنع الصحفي.