د. نادية الجدوع
قراءة في تغيّر السلوك الاجتماعي، وتبدّل المفاهيم، واختلال معنى الأمان في المدينة
يقول أبو المثل العراقي: (نعيش ونشوف). وهي عبارة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تختصر تاريخًا طويلًا من التجربة العراقية؛ تاريخًا علّم الناس أن الزمن كفيل بأن يكشف ما لا تكشفه الكلمات، وأن الأيام وحدها قادرة على أن تضع كل ظاهرة في ميزانها الحقيقي. ومن هنا، حين نتأمل واقعنا اليوم، ونستعيد صورة بغداد القديمة، تبرز أمامنا مفارقة تستحق الوقوف عندها:
كان في بغداد (حرامي المحلّة) وكان معروفًا. واليوم، ماذا نقول؟ (حرامي المحلّة) مفارقة تكشف مجتمعًا كان يعرف بعضه بعضًا قد تبدو عبارة (حرامي المحلّة) غريبة على جيل اليوم. لكنها في الذاكرة الشعبية البغدادية كانت تحمل دلالة اجتماعية واضحة.
كان السارق، رغم خطورة فعله ورفض المجتمع له، شخصًا معروف الهوية والمكان؛ تعرفه المحلّة، ويعرفه أهلها، وتدرك العيون حركته. لم تكن السرقة مقبولة آنذاك، ولم يكن المجتمع يمنح السارق شرعية أخلاقية. لكن الفارق المهم أن المجتمع كان يعرف من يدخل إليه ومن يخرج منه.
كانت المحلّة تمتلك منظومة اجتماعية غير مكتوبة تقوم على المعرفة المتبادلة، والانتباه، والتكافل، والشعور بالمسؤولية تجاه المكان. كان الجار عينًا على جاره، لا تجسسًا، وإنما حرصًا. وكانت المحلّة تعرف أبناءها، وتعرف الغرباء عنها، وتعرف من يستحق الثقة ومن يثير الشبهة. أما اليوم فالسؤال أصعب اليوم لم تعد المدينة هي المحلّة القديمة. كبرت بغداد، واتسعت الأحياء، وتزايد السكان، وتعقدت الحياة، وأصبحت حركة الناس أكثر سرعة، وأصبحت العلاقات الاجتماعية في كثير من المناطق أقل ترابطًا.
لم يعد السؤال: «من هو حرامي المحلّة؟» بل أصبح السؤال أحيانًا: «من نعرف؟ ومن لا نعرف؟ وكيف نحمي المجتمع من الجريمة عندما تصبح العلاقات أقل معرفةً وترابطًا؟» وهنا لا نتحدث عن السرقة وحدها. نتحدث عن منظومة أوسع تشمل الجريمة، والاحتيال، واستغلال الثقة، والابتزاز، وانتحال الصفات، والاعتداء على المال العام والخاص، وتراجع المسؤولية الاجتماعية.
فالخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الشخص الذي يسرق شيئًا من بيت. الخطر الأكبر أن يتحول الاعتداء على حقوق الآخرين إلى سلوك يجد له مبررات اجتماعية. من «حرامي المحلّة» إلى جرائم بلا وجه.
في الماضي، كان المجتمع يعرف السارق بوجهه واسمه.أما اليوم، فقد أصبح بعض أشكال الجريمة أكثر تعقيدًا. قد يكون السارق خلف شاشة. وقد يكون المحتال خلف رقم هاتف.وقد يكون المعتدي مختبئًا خلف هوية وهمية.وقد تكون الأموال التي تُهدر أو تُسرق أموالًا عامة لا يعرف المواطن أين ذهبت ولا من المسؤول عنها. وهنا أصبحنا أمام نوع مختلف من الجريمة:
جريمة لا تحتاج إلى أن تعرف وجه صاحبها. وهذه هي النقلة الخطيرة. فحين كانت المحلّة تعرف «حراميها»، كان المجتمع يمتلك جزءًا من أدوات الردع الاجتماعي. أما عندما تصبح الجريمة مجهولة المصدر، ومتعددة الأدوات، ومتداخلة مع وسائل التكنولوجيا الحديثة، فإن المواجهة تحتاج إلى دولة قانون، ومؤسسات رقابية، وأجهزة أمنية كفوءة، ووعي مجتمعي، وثقافة قانونية راسخة. المشكلة ليست في الزمن بل في منظومة القيم
ليس صحيحًا أن الماضي كان كاملًا، ولا أن الحاضر سيئ بالكامل. في الماضي كانت هناك مشكلات وجريمة وفقر وتحديات. واليوم توجد أيضًا أجيال واعية، ومؤسسات، وتشريعات، وتقنيات قادرة على مكافحة الجريمة بوسائل لم تكن موجودة سابقًا. لكن السؤال الذي يجب أن يظل حاضرًا هو: هل ما زالت قيمة الأمان الاجتماعي حاضرة بالقوة نفسها؟ وهل ما زال الجار يشعر أن مسؤولية حماية المجتمع تبدأ منه؟ وهل ما زالت الأسرة تؤدي دورها في بناء شخصية تحترم مال الآخرين وحقوقهم؟ وهل ما زالت المدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية تؤدي دورها في ترسيخ النزاهة واحترام القانون والمسؤولية العامة؟ هذه الأسئلة أهم من السؤال عن «حرامي المحلّة».
«شنكول؟»… عندما يصبح السؤال عنوانًا لمرحلة ربما لهذا السبب تبدو عبارة: «شنكول؟» أكثر من مجرد كلمة دارجة. إنها تعبير عن الحيرة أمام واقع سريع التغير. شنكول عن مدينة تغيرت؟ شنكول عن قيم تغيرت؟ شنكول عن جريمة تطورت أدواتها؟ شنكول عن مجتمع لم يعد يعرف بعضه كما كان؟ والجواب يجب ألا يكون بالحنين وحده. فالحنين جميل، لكنه لا يبني دولة. الذي يبني الدولة هو القانون، والمؤسسات، والرقابة، والوعي، والعدالة، والمواطنة.
نحن لا نريد العودة إلى الماضي بل نريد استعادة قيمه الجميلة ليس المطلوب أن نعيد بغداد إلى زمن المحلّة. فالزمن لا يعود. والمجتمعات لا تتقدم بالعودة إلى الوراء. لكننا نستطيع أن نستعيد من ذلك الزمن ما كان فيه من قيم عظيمة: معرفة الجار بجاره. احترام المال العام والخاص. نصرة المظلوم. رفض السرقة والاحتيال. الحياء الاجتماعي. المسؤولية. الشهامة. والخوف من العيب قبل الخوف من العقوبة. ثم نضع هذه القيم داخل دولة حديثة، تحكمها المؤسسات والقوانين. وهنا يكون التطور حقيقيًا.
كلمة أخيرة
نعم كان هناك «حرامي المحلّة» وكان معروفًا. أما اليوم، فلا ينبغي أن يكون سؤالنا فقط: «شنكول؟» بل يجب أن يكون: «شنسوي؟» ماذا نفعل كي نحمي مجتمعنا؟ ماذا نفعل كي نحافظ على المال العام؟ ماذا نفعل كي تصبح النزاهة قيمة اجتماعية وليست مجرد شعار؟ ماذا نفعل كي يشعر المواطن أن القانون يحميه، وأن الدولة تراقب، وأن المجتمع لا يتسامح مع الجريمة؟ فالمجتمعات لا تُقاس بعدد من تعرفهم من اللصوص، وإنما بقدرتها على منع الجريمة، ومحاسبة مرتكبها، وحماية الضحية، وصيانة حقوق الناس.
ولذلك نقول: «نعيش ونشوف» نعم. لكننا لا نريد أن نعيش لنرى الأسوأ فقط. نريد أن نعيش لنرى عراقًا أقوى بالقانون، أرقى بالقيم، وأكثر أمانًا، وأشد احترامًا للإنسان وحقوقه. فبغداد القديمة علّمتنا أن المجتمع يعرف أبناءه. وبغداد الجديدة يجب أن تعلّمنا أن الدولة تعرف مسؤولياتها، والقانون يعرف طريقه، والحق لا يضيع. من «حرامي المحلّة» إلى «شنكول؟ تبقى الإجابة الحقيقية: دولة قانون ومجتمع واعٍ.