نجاح هيفو
في بعض المجتمعات الشرقية، ما زالت هناك نظرة قديمة إلى الفتاة تجعل وجودها داخل الأسرة مرتبطًا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بمسألة الزواج. وما إن تصل إلى سن معينة حتى يبدأ السؤال: من سيتقدم لها؟ ومتى ستتزوج؟ ومن هو الرجل المناسب لها؟ وكأن حياتها مشروع اجتماعي مفتوح للنقاش، لا حياة إنسانية لها خصوصيتها وحقها في الاختيار.
المشكلة ليست في الزواج نفسه، فالزواج علاقة إنسانية عظيمة، وإنما في العقلية التي تختزل المرأة في كونها زوجة محتملة، وتتعامل مع قرار زواجها وكأنه شأن يملكه الآخرون.
عندما يتحول وجود البنات إلى مساحة للتدخل
من أكثر المظاهر إزعاجًا أن بعض الأشخاص، بمجرد أن يعرفوا أن لدى أسرة بنات، يبدؤون بالتدخل والسؤال والإلحاح: «نريد أن نخطب ابنتكم»، وكأن مجرد وجود البنت يمنح الآخرين حق طرح أنفسهم عليها أو الضغط على أسرتها. وقد يتحول الأمر أحيانًا إلى منافسة اجتماعية، أو وساطة مستمرة، أو إحراج للأسرة، أو حتى لوم لها إذا لم توافق.
وهنا ينبغي أن نتوقف ونسأل: أين إرادة الفتاة من كل ذلك؟ فهي ليست جائزة اجتماعية، وليست ملكًا لأبيها أو أمها، وليست فرصة ينبغي أن يستغلها شخص آخر لمجرد أنه يريد الزواج. إنها إنسانة كاملة، لها عقلها ومشاعرها وطموحاتها وحقها في أن تختار من تشاركه حياتها.
المشكلة تبدأ من التربية
لا يمكن تغيير هذه الثقافة بمجرد مطالبة المجتمع بالاحترام، لأن جذورها تبدأ في كثير من الأحيان داخل الأسرة نفسها. عندما تربى البنت على أن قيمتها الأساسية مرتبطة بزواجها، وأن نجاحها الحقيقي هو أن تجد زوجًا، وأن رفضها لخاطب جيد قد يجلب العار للأسرة، فإننا نزرع داخلها الخوف بدل الثقة.
وفي المقابل، عندما يُربّى الابن على أن من حقه أن يطلب أي فتاة، وأن رفضها لا يعني شيئًا، وأن عليه أن يحاول مرة أخرى عن طريق الأقارب، فإننا نربي جيلًا لا يفهم معنى الحدود الشخصية.
التربية السليمة تقول للابن: إذا أعجبتك فتاة، فتقدم باحترام، وإذا رفضت، فاحترم رفضها. وتقول للبنت: إذا لم تجدي في هذا الإنسان شريكًا مناسبًا لك، فمن حقك أن ترفضي دون خوف أو شعور بالذنب.
الأسرة ليست مالكة لمستقبل ابنتها
من الأخطاء الشائعة أن تتعامل الأسرة مع الزواج باعتباره قرارًا عائليًا بالدرجة الأولى. صحيح أن للأسرة دورًا مهمًا في النصح والتقييم والحماية، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين النصيحة والسيطرة.
الأب الحكيم لا يقول لابنته: «أنا أعرف مصلحتك أكثر منك، ولذلك عليك أن تقبلي». بل يقول: «أنا أخشى عليك، وسأساعدك على رؤية الأمور بوضوح، لكن حياتك لك، وقرارك يجب أن يكون نابعًا من قناعة حقيقية.» وهذه ليست تربية على التمرد، كما قد يظن البعض، بل تربية على المسؤولية والنضج.
فالفتاة التي تُجبر على الزواج قد تعيش سنوات وهي تدفع ثمن قرار لم تتخذه، بينما الأسرة التي احترمت اختيارها قد تختلف معها في بعض التفاصيل، لكنها في النهاية تحمي علاقتها بها وتحافظ على ثقتها بها.
احترام الرفض جزء من الأخلاق
من المهم أن نفهم أن الأخلاق لا تظهر فقط عندما نحصل على ما نريد. الاختبار الحقيقي للأخلاق هو: كيف نتصرف عندما يقول لنا شخص آخر «لا»؟ إذا تقدم رجل إلى فتاة ورفضته، فإن كرامته لا تُنتقص برفضها، كما أن كرامتها لا تُنتقص لأنها لم تقبله. الرفض ليس إهانة. والاختيار ليس غرورًا. والمرأة التي تقول «لا» لا تحتاج إلى محاكمة اجتماعية. بل إن احترام الرفض هو أحد أهم مظاهر النضج في العلاقات الإنسانية.
لا تجعلوا الزواج علاجًا للخوف من كلام الناس
هناك زيجات كثيرة لا تبدأ لأن الطرفين وجدا السكينة والتوافق، وإنما لأن الأسرة خافت من كلام المجتمع. «ماذا سيقول الناس؟» «ربما لا يأتي أفضل منه.» «الفتاة كبرت.» «هذه فرصة لا تتكرر.» لكن المجتمع الذي يدفع فتاة إلى زواج لا تريده لن يعيش معها بعد الزواج عندما تظهر المشكلات.
الأقارب الذين شجعوا على الزواج لن يتحملوا بالضرورة الوحدة أو الإهانة أو الخلافات أو الألم النفسي الذي قد تعيشه المرأة. لذلك يجب أن تكون القاعدة واضحة: لا يجوز أن يكون خوف الأسرة من كلام الناس أقوى من احترامها لمستقبل ابنتها.
ونحتاج أيضًا إلى تصحيح مفهوم الرجولة الرجولة ليست في الإصرار على فتاة رفضتك. وليست في استخدام الأقارب للضغط على أسرتها. وليست في الاعتقاد أن المال أو المكانة الاجتماعية يمنحان الرجل حق الوصول إلى أي فتاة. الرجولة الحقيقية هي أن يعرف الإنسان كيف يطلب بطريقة محترمة، وكيف يسمع «لا»، وكيف يحافظ على كرامته وكرامة الطرف الآخر.
الرجل الذي يستطيع أن يتقبل الرفض بهدوء أقوى من رجل يحتاج إلى شبكة من الأقارب والمعارف لإجبار الآخرين على قبول رغبته.
من «نريد ابنتكم» إلى «هل هي تريدنا؟»
هذه الجملة البسيطة يمكن أن تختصر تحولًا ثقافيًا كاملًا. بدل أن يكون السؤال: «هل يمكن أن نخطب ابنتكم؟» يجب أن يصبح السؤال: «هل ابنتكم مستعدة للتعرف إلى هذا الشخص، وهل لديها رغبة في ذلك؟» الفرق بين السؤالين كبير. الأول ينظر إلى البنت باعتبارها موضوعًا للطلب. والثاني ينظر إليها باعتبارها صاحبة قرار. وهنا تبدأ الثقافة الصحية.
المجتمع الذي يحترم بناته يحمي أبناءه أيضًا
قد يبدو الحديث عن حرية الفتاة في الاختيار قضية تخص النساء فقط، لكنها في الحقيقة قضية تخص المجتمع كله. فحين نتعلم احترام إرادة الفتاة، فإننا نعلم أبناءنا أيضًا معنى المسؤولية، والحدود، والقبول، والرفض، والكرامة الإنسانية. نحن لا نريد مجتمعًا يمنع الزواج، ولا مجتمعًا يعادي التقاليد، ولا مجتمعًا يجعل الأبناء يقطعون صلتهم بأسرهم. نريد مجتمعًا أكثر نضجًا: أسرة تنصح ولا تجبر، وشاب يتقدم ولا يضغط، وفتاة تختار ولا تخاف، ومجتمع يحترم القرار ولا يحاصر أصحابه.
المشكلة ليست أن الناس يريدون الزواج، وليست أن الأسر تبحث عن مستقبل جيد لبناتها. المشكلة تبدأ عندما تتحول الرغبة في الزواج إلى حق مزعوم في التدخل، والضغط، والإلحاح، والتعامل مع الفتاة كأن الآخرين أدرى بمستقبلها منها. التغيير الحقيقي لا يبدأ من القوانين وحدها، بل من البيت. من الطريقة التي نتحدث بها مع بناتنا. ومن الطريقة التي نربي بها أبناءنا. ومن قدرتنا على تعليمهم أن الإنسان ليس ملكًا لأحد، وأن الزواج لا ينجح بالإكراه، وأن «نعم» لا تكون ذات قيمة أخلاقية إلا إذا كان بإمكان صاحبها أن يقول «لا».
فإذا أردنا مجتمعًا أكثر استقرارًا، فلا يكفي أن نبحث عن زيجات أكثر؛ بل يجب أن نبحث عن زيجات أكثر وعيًا، وأكثر احترامًا، وأكثر رضا من الطرفين. وعندها لن تكون البنت «فرصة للزواج» في نظر المجتمع، بل ستعود إلى حقيقتها الأولى: إنسانة لها حياة، وكرامة، وإرادة، ومستقبل يستحق أن تختاره بنفسها.