الإنفاق العائلي بين التقتير والتبذير

الدكتور ياسين الزيباري

تختلف العوائل في الإنفاق على متطلبات الحياة ، وقـسـّــم العلماء تلك الحاجات إلى الضروريات والحاجيات والكماليات ، وأما البشر فقد تنوّعـوا بين الفقير والمسرف ، والمتوازن ، ولكن السؤال الأهم من هو الذي يقوم بالصرف على الوجه الأكمل حسب موقعه ، في المجتمع وحسب موقعه بين الفقر والغنى هل يـصرف الفقير مصرف الغني ، وهل يصرف الغني مصرف الفقير هذا هو مدار البحث ، ومن خلال النظر إلى المجتمع الذي نعيش فيه قلما نرى المتوازن الذي يصرف ماله في الضروريات و يزن الأمور بموازينها فهو مقتصد مدبــّـر للأمر ، يضع كل شيء في مكانه الخاص ، وقد نرى الغني يعيش عيشة الفقراء ، ويتمثل ذلك بالبخل والتقتير على نفسه وعياله في الملبس والمأكل والمشرب ، في جوانب معينة ، ونرى الفقير يتباهى بمظهره ، الباذخ ، وساعته الفاخرة ، والمبايل الحديث الذكي ، ونرى هنا قد يصرف أناس الأموال في الأشياء الكمالية أكثر من الضرورية ، فقد تصرف النساء على أنــفسهن مبالغ طائلة ولا تحسب ، سواء في الملبس ، أو التجميل الصبغي والتغيير الخلقي ، والسفرات المستمرة كل جمعة ، وكأن المدينة قد فرغت من الأهالي ، والطوابير السيرية تقف عشرات الكيلومترات وربما تستغرق الرحلة الإعتيادية نصف ساعة ولكن في هذه الأوقات قد تستغرق ساعات ، بالإضافة إلى الحوادث المؤلمة التي تذهب ضحيتها عشرات الأرواح ، سواء بحوادث السيارات أو الحرق أو الغرق ، أو المشاكل بين الأشخاص بسبب السير ، و كذلك المبالغ التي تصرف على البنزين ، والغاز ، وقد يقف المرء عدة ساعات للحصول على البنزين ، ويصرفها في يوم الجمعة ، وأما الطعام فحــدّث ولاحرج ، وقد تصرف في اليوم الواحد ما يكفي لشهر كامل ، والأدهى والأمر من ذلك إستعراض تلك الأطعمة على الملأ ، ونشر مظاهر الترف والرقص والغناء ، على جميع وسائل التواصل الإجتماعي ، والمصيبة أن كثيرا ً من هؤلاء يشكون من الفقر والعوز ، وخذ جميع حروف العطف ، حتى تصل إلى عنان السماء ، وحينما يأتي يوم الجمعة تقول لايوجد فقير في هذا البلد ، وقد خرج القوم عن بكرة أبيهم ، ويتكرر هذا كل جمعة ، في كل جمعة بدلة جديدة ، للجميع ، والأراضي هي متحدة أشجار ونبات وأنهار ، فماهو الداعي أن أسير مسافة مائة كيلومتر أو أكثر لكي أعلم الناس بأني قد ذهبت إلى المكان الفلاني ، وسبحان الخالق لاترى شخصا ً راضيا ً بمكانه ، كل يخرج من مكانه ، وهنا أتذكر مرة أنه في الساعة العاشرة ليلا طرق الباب ، فأنا ذهبت للإجابة فرأيت بنت جيراننا قالت : عمو …. ؟ أمي تقول : نريد عشرين ألف دينار لنأخذ أخي الصغير إلى الطبيب ، فقلت لها : هذا هو المبلغ ، واخبري أمك إذا تريدون أن آخذ إبنكم إلى الطبيب أو شيء آخر ، فقالت : شكرا ً عمو ….. ! ورحلت ، وأنا تأخرت عن النوم على غير عادتي في الوقت المخصص للنوم ، و قلت ربــَّـما يحتاجون شيئا ً ، ثم نمت وفي الصباح الباكر بينما أذهب إلى الدوام أراهم متهيئين للسفرة إلى مكان بعيد ، فوردتني عبارة ( عجيب أمور غريب قضية ) ومن طبيعتي لا أستطيع الخوض في ما يجرح شعور الإنسان مهما كان فعله ، ولكن قلت في نفسي هل أنا على هذا القدر من البساطة الفكرية ، لكي تغلبني هذه الفتاة الصغيرة ، أم أن المقابل على قدر كبير من الـتـفـنـّــن في التحايل على الآخرين ، ومما لاحظته عند أناس قد يستجدون النهار كله وفي الليل يصرفونه خلال لحظات فيما يغضب الرب ، أو نرى من يقتـتـر على أولاده كل الشهر ويصرف ذلك في لحظات البعد الإلهي ، فالذين يشكون من الفقر والعوز إجلسوا في منازلكم ، و الذين يشكون من غلاء الأسعار توقفوا عن الإسراف واقتصدوا في قيادة السيارات ، خذوا يوم الجمعة قسطا ً من الراحة واجعلوها للعبادة ، لا تستخدموا السيارات في الأسبوع يوما ً ، وانظروا كم ستنزل الأسعار ، واذهب إلى المسجد سيرا ً على الأقدام ، لكي تحصل على الأجر الأكبر ، ماذا يحل بنا إن لم نتناول اللحم شهرا كاملا ً هل نموت من الجوع ، حينما يحل الخميس قد تفرغ الأسواق من جميع المعروضات أو تكاد ، وهنا أتذكر في مناسبة معينة ذهبت إلى القصاب وأنا بالملابس الشعبية الطبيعية وقد امتلأ محل القصاب بالمشترين ، وأتى شيخ معمر معمم ، وطلب كيلوا واحدا ً من اللحم ، فقال القصاب لم يبق اللحم فهو مباع كله ومحجوز لأنه غدا ً مناسبة فلانية ، فقلت : إن كان هذا الموقر لاوقار له فالأفضل أن أحترم نفسي ولا أصرف كلامي مع من لا يقدر أهل القدر والمنزلة ، وفي هذا روي عن إِبْرَاهِيم بْن أدهم إبن منصور ( ت 162 هـــ ) وكان مشهورا ً بالورع وقيل له في زمانه : (( ‌إِن ‌اللحم ‌قَدْ ‌غلا )) ، فَقَالَ : (( أرخصوه )) أي لا تشتروه، وأنشد فِي ذلِـكَ
وإذا غلا شَيْء عــلــَــي َّ تركته … فيكون أرخص مَا يَكــون إذ غلا
( الرسالة القشيرية : القشيري (ت 465هـ) ، 1/ 36 ) . ومن ناحية أخرى حينما يطلب شخص من بعض الناس شيئا ً يسيرا ً يظهر ألف عذر لا يوجد عمل ، وسمعت مرة أحد الأثرياء يقول لسائل مسكين رث الهيئة : (( لايوجد عمل ولاتجارة نأكل من جلدنا …. ) ، أو حينما يحل محل الصدقات والكفارات يسأل عشرين مفتيا ً لكي يقلل من قيمة حق الله في المال، أو حينما يشتري من فقير قنينة ماء يحاسبه على غلاء القنينة ، والله المعين .

قد يعجبك ايضا