خالد بهلوي
من المعروف أن الأم تحافظ على جنينها مهما كانت الظروف التي أرغمتها على الحمل. ومع ذلك، تبرز بين الحين والآخر ظاهرة مؤلمة تتمثل في تخلي بعض الأمهات عن أطفالهن حديثي الولادة. ففي بعض المناطق تتزايد حالات ترك الرضع في الشوارع أو بالقرب من المساجد والمشافي، أو حتى في مكبات النفايات، في مشهد يعكس حجم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع بعض الأمهات إلى اتخاذ مثل هذه القرارات القاسية.
يواجه الأطفال الذين يُتخلى عنهم مخاطر جسيمة تبدأ بحرمانهم من الهوية الشخصية والتعليم والرعاية الصحية، وقد تمتد إلى تعرضهم للاستغلال في سوق العمل وهم قُصّر، أو تجنيدهم من قبل جماعات متطرفة. وفي كثير من الحالات تكون الأم نفسها ضحية لظروف قاهرة؛ فقد يدفعها الفقر المدقع والحاجة إلى التخلي عن طفلها لعجزها عن تأمين أبسط متطلبات الحياة، حتى إن بعض الأمهات صرحن بأنهن لم يكن يملكن ثمن الحليب لأطفالهن.
وتُعد ظاهرة «رمي الأطفال في الشوارع» من الظواهر القديمة المتجددة في المجتمع السوري، حيث تتحول الأماكن العامة إلى ملاذ مؤقت لهؤلاء الرضع قبل أن ينقلهم أحد المارة إلى الجهات المختصة أو المؤسسات الخيرية التي توفر لهم الرعاية. ورغم أن هذا السلوك يثير استنكارًا واسعًا، فإنه يختلف في درجة انتشاره من محافظة إلى أخرى تبعًا للظروف الاجتماعية والاقتصادية السائدة.
ومن بين الأسباب المؤدية إلى هذه الظاهرة حالات الحمل خارج إطار الزواج، حيث تجد بعض النساء أنفسهن تحت ضغط الخوف من الفضيحة أو العنف الأسري والعقوبات الاجتماعية، فيعتقدن أن التخلي عن الطفل هو المخرج الوحيد من تلك المعاناة. كما يلعب الفقر والبطالة وغياب مصادر الدخل المستقرة دورًا كبيرًا في دفع بعض الأمهات إلى اتخاذ قرارات مأساوية بدافع العجز واليأس.
وفي أحيان كثيرة تترك الأم طفلها في مكان تعتقد أنه أكثر أمانًا، كمسجد أو مؤسسة خيرية، أملاً في أن يعثر عليه شخص رحيم أو أسرة محرومة من الإنجاب تتكفل برعايته. ومع ذلك، يبقى هذا التصرف محفوفًا بالمخاطر، إذ قد يتعرض المولود للوفاة بسبب الظروف الجوية القاسية أو الحيوانات الضالة أو غيرها من الأخطار.
إن معالجة ظاهرة التخلي عن الأطفال تتطلب جهودًا شاملة لا تقتصر على معالجة النتائج، بل تمتد إلى معالجة الأسباب الجذرية. ويتحقق ذلك من خلال مكافحة الفقر، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للأمهات، وتعزيز الوعي المجتمعي، وتطوير آليات آمنة وقانونية لحماية الأطفال والنساء في الظروف الصعبة. فالفهم العميق للدوافع التي أجبرت الأم على الحمل ثم دفعتها إلى إلقاء وليدها في الشارع يمثل الخطوة الأولى نحو الحد من هذه الظاهرة، وضمان حياة أكثر أمانًا وكرامة للأطفال القادمين إلى الحياة.
وعند مقارنة ما يحدث في بلادنا مع بعض المجتمعات الأخرى مثلا
ألمانيا التي تولي اهتمامًا كبيرًا بصحة الأم والطفل منذ اللحظات الأولى للحمل وحتى سنوات الطفولة الأولى. تبدأ الرعاية الصحية بزيارة طبيبة النساء والتوليد لتأكيد الحمل، ثم تخضع الحامل لفحوصات دورية منتظمة كل أربعة أسابيع تقريبًا، وتزداد إلى كل أسبوعين خلال الأسابيع الأخيرة من الحمل. كما تُجرى فحوصات الموجات فوق الصوتية الأساسية، إلى جانب تحاليل الدم والبول ومراقبة ضغط الدم ووزن الأم، للكشف المبكر عن أي التهابات أو مضاعفات محتملة.
ويحق للمرأة الحامل الاستعانة بقابلة ترافقها خلال فترة الحمل، حيث تقدم لها المشورة والدعم الصحي والنفسي. ولا تتوقف الرعاية عند الولادة، بل تمتد إلى مرحلة ما بعدها، إذ تقوم القابلةاو المختصة بشؤون الطفل بزيارات منزلية لمتابعة صحة المولود ووتعليم ومساعدة الأم على الرضاعة الطبيعية والعناية بطفلهاخاصة اذا كانت مولودها الأول. كما يكفل القانون حق الطفل في الحصول على مكان في الحضانة ابتداءً من عمر سنة واحدة.وتستمر الرعاية في جميع مراحل الدراسة .
وفي النهاية، يبقى لكل طفل يُلقى في الشارع قصة ألم تحمل في طياتها معاناة إنسانية تتجاوز حدود الفرد لتصبح مسؤولية مجتمع بأكمله. فحماية الأطفال ليست واجبًا أخلاقيًا فحسب، بل هي استثمار في مستقبل المجتمع واستقراره. ومن هنا تبرز أهمية تكاتف الجهود الرسمية والأهلية لتوفير بيئة آمنة للأمهات والأطفال، بما يضمن حق كل مولود في الحياة الكريمة والرعاية والحماية، حتى لا تتكرر هذه المأساة الإنسانية والأخلاقية.