كيف تُباع الأوطان

سمير ميراني

ليس أخطر ما يصيب الأوطان أن تسقط دولها، فالدول قد تقوم وتزول، أما الوطن فباقٍ ما بقيت الأرض والذاكرة والناس.
الوطن ليس كياناً سياسياً يدار بالقرارات، بل معنى يتكون من ذاكرة الناس، وكرامتهم، وإحساسهم بأنهم ليسوا غرباء في أرضهم، وحين يكون الوطن سليماً، تكون السلطة القائمة على أرضه أمانة، فإذا صارت غنيمة في يد فئة، انقلب القائم على السلطة من راعٍ إلى مستبيح، واحتكارها لا يفسده وحده، بل يفسد المحكوم أيضاً، إذ يعوّده على الخضوع، حتى ينكر حقه في أن يكون شريكاً في مصيره.
ولا يكتمل احتكار السلطة إلا باحتكار الاقتصاد، فإذا امسك الحاكم بمصادر الثروة والتجارة، صار المواطن أسير حاجته، والإنسان الجائع لا يثور بل يتوسل، وهو المراد، أن تُستبدل إرادة الشعب، بيد ممدودة تطلب ما هو حق لها أصلاً، ويصبح اقتصاد الحاكم ومتسلطيه، أقوى نفوذاً من اقتصاد الوطن، فتضعف بذلك هيبة الوطن من الداخل، قبل أن يطعنه أحد من الخارج.
وليس الفساد حادثة عارضة، بل سياسة تصاب بها الأوطان قصداً، لتشغله بأمراضها الداخلية عن أمراض حكامها، فإذا انشغل الإنسان بلقمته وشهوته وخلاف جاره، نسي أنه مواطن له حق، وأصبح رعية تُساق، وهنا يظهر الفساد الأخلاقي المصنّع، وهو أرخص أدوات الاستبداد وأنجحها.
ومن علامات الكيان المريض، أن يرتفع فيه ذرية التفاهة، وأعاجم المبادئ من الفاشلين، وتقصي فيها أصحاب الكفاءات، والخبرة والعقول، فلا يريد الحكام، عقلاء حولهم، لأنهم يسألون، والكفاءات تقارن، وأصحاب المبادئ يرفضون، فيُؤثِر بِطانةٌ من الفاشلين، لأنهم أطوع وأوفر إخلاصاً لصاحب النعمة، وهكذا يُبنى كيانٌ داخل الوطن على اساس الولاء لا الكفاءة، فيكون هشاً كالبنيان الذي يُقام على الرمل.
وإذا تولى قراءة ثقافة الشعب، ومصالحه من لا يحملها في قلبه ولا ضميره، جاءت السياسات منفصلة عن الحقيقة، فيمنح أعجمي المبدأ، والغرباء من أبناء المال، الأولوية لما يعزز حكمه، لا لما يُعلي شأن الوطن، فيصبح المواطن غريباً في أرضه، والغريب حاكماً على ما ليس له.
وحين تحل العصبية القبلية الضيقة، محل الاستحقاق والعدل، وبديلاً عن رابط الوطن السليم، ويورّث الحكم في عصر الحداثة والمدنية، فذلك جمعٌ بين عيبين في آن واحد، عيب الماضي بتكريس التمييز، وعيب الحاضر بانتهاك الكرامة، فيتحول الكيان إلى جسدٍ بلا روح.
ثم تأتي آلة التقديس، لتُتم المشهد، يقول محمد بن بندر النيسابوري( إياك والخلاف مع الخلق، فمن رضي الله به عبداً فأرضِ به أخاً)، وهذه كلمة حق يراد بها باطل، حيث تُستغل لتصبح سلاحاً بيد الحكام، يحوّلون بها الطاعة الإيمانية إلى خنوع سياسي، فعندما يقدس الحاكم، يصبح نقده كفراً، وطلب الحق منه عقوقاً.
ومن نظر إلى شعبه كأنه دون الاعتبار، فقد أعلن الحرب على نفسه، فالكرامة ليست ترفاً، بل هي الجذور التي تنبت منها الطاعة الحرة، أما المهان فلا يعطي إلا ما يكره عليه، ويضمر ما لا يستطيع البوح به، لذلك كان الإذلال بذرة المنازعة، وازدراء المواطن هو اقصر الطرق إلى الإنهيار.
وكل ما تقدم من أسبابٍ، يتراكم في صدور الشعوب، تراكم الجمر تحت الرماد، حتى ينفجر الخلق وتتصدع أدوات الحكم من الداخل، فيجد المتربصون بالوطن ما كانوا يصطادون، وهذا هو القاعُ الذي لا قاعَ بعده.
تبدأ المأساة حين يفضّل الحكام، تسليم الوطن للغريب البعيد، على أن ينتقل الحكم إلى أبنائه، ويعود إلى أهله، وهنا يصل الانحراف إلى أقصاه، حين يصبح مصير الوطن نفسه، قابلاً للمساومة، وكأن الانتماء يمكن أن يدار بمنطق الخوف لا بمنطق الأمانة، فالوطن ليس إرثاً شخصياً يوهب لمن يوفر البقاء، بل هو وديعة في أعناق كل جيل.
وما سقطت أمة من الخارج، إلا بعد أن أسقطها حكامها من الداخل، فالأوطان لا تُباع دفعة واحدة، بل تُباع قطعةً قطعة، وكل قطعة لها ثمن يدفع من رصيد الشعب.

قد يعجبك ايضا