حراك دبلوماسي غير مسبوق

د. ابراهيم احمد سمو

شهدت مشاركة رئيس إقليم كوردستان نیچرڤان بارزانی في منتدى أنطاليا الدبلوماسي هذا العام تطورًا لافتًا مقارنة بالمشاركات السابقة، سواء من حيث مستوى التنظيم أو كثافة اللقاءات أو طبيعة الشخصيات التي تم الاجتماع بها. فبينما اعتدنا في الدورات الماضية على حضور بروتوكولي يتخلله اللقاءات الجانبية والزيارات المتبادلة ضمن إطار المنتدى، جاءت هذه المشاركة مختلفة في مضمونها وشكلها، وأكثر تركيزًا على تحقيق نتائج سياسية ودبلوماسية ملموسة.

منذ اللحظات الأولى للوصول، بدا واضحًا أن هناك ترتيبًا مسبقًا لجدول أعمال مزدحم بالاجتماعات، حيث انطلقت اللقاءات بشكل مكثف منذ اليوم الأول، وشملت شخصيات مؤثرة في صناعة القرار على مستوى الشرق الأوسط. هذه اللقاءات لم تكن عابرة أو شكلية، بل حملت في طياتها مؤشرات على حراك سياسي نشط يسعى إلى إعادة تموضع الإقليم ضمن خارطة التوازنات الإقليمية، في ظل ما تشهده المنطقة من تحولات متسارعة.

ومن أبرز ما ميّز هذه المشاركة هو طبيعة الأطراف التي تم اللقاء بها، والتي تضم مسؤولين رفيعي المستوى من دول لها تأثير مباشر في ملفات حساسة، مثل بريطانيا سوريا وقطر وتركيا،الاردن إضافة إلى لقاء مهم جدا مع (توم باراك ) السفير الامريكي في تركيا و ممثل امريكا في المنطقة و المحرك الدولي في المنطقة إضافة إلى لقاء نائب وزير الخارجية الإيراني، فضلًا عن تواصلات مع الجانب الباكستاني متمثلا برئيس الوزراء الذي يلعب دورًا في التهدئة ووقف التصعيد بين إيران والولايات المتحدة. كما برز لقاء الدور التركي بشكل واضح، خلال اللقاء مع الرئيس رجب طيب أردوغان أو من خلال الحفاوة التي أظهرها وزير الخارجية هاكان فيدان منذ الساعات الأولى لوصول الوفد.

هذا الحضور المكثف والاهتمام الواضح يعكسان أهمية إقليم كوردستان كلاعب سياسي في المنطقة، وقدرته على نسج علاقات متوازنة مع أطراف مختلفة، حتى في ظل التباينات السياسية بينها. كما أن رفع أعلام العراق الاتحادي إلى جانب علم كوردستان وأعلام الدول المشاركة خلال اللقاءات الرسمية، شكّل رسالة رمزية مهمة تؤكد على هوية الإقليم ضمن الدولة العراقية، وفي الوقت نفسه تعكس خصوصيته السياسية والإدارية.

ولا يمكن إغفال الجانب الإعلامي والتنظيمي الذي رافق هذه الزيارة، حيث ظهرت اللقاءات بشكل منسق ومكثف، مما أعطى انطباعًا بوجود رؤية واضحة وخطة عمل محددة. وهذا بحد ذاته يمثل تطورًا إيجابيًا مقارنة بالمشاركات السابقة التي كانت تفتقر أحيانًا إلى هذا المستوى من التركيز والتخطيط.

ومع ذلك، فإن ما ظهر إلى العلن هو جزء من الصورة فقط، أما ما جرى خلف الكواليس من نقاشات وتفاهمات، فهو ما يثير فضول الشارع الكوردستاني والمتابعين للشأن السياسي. من هنا تبرز الحاجة إلى عقد مؤتمر صحفي شامل يوضح فيه رئيس الإقليم تفاصيل هذه اللقاءات، ويكشف عن مخرجاتها وما يمكن أن تحمله من تأثيرات على مستقبل الإقليم وعلاقاته الإقليمية والدولية.

فالمرحلة الحالية تتطلب قدرًا عاليًا من الشفافية والتواصل مع الرأي العام، خاصة في ظل التحديات التي يواجهها الإقليم داخليًا وخارجيًا. إن اطلاع المواطنين على مجريات هذه التحركات الدبلوماسية من شأنه أن يعزز الثقة، ويمنح دفعة معنوية للمجتمع الذي يتطلع إلى رؤية نتائج ملموسة تنعكس على حياته اليومية.

وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن الحراك الخارجي، مهما كان ناجحًا ومثمرًا، لا يمكن أن يحقق أهدافه بشكل كامل دون معالجة التحديات الداخلية. فالإسراع في حلحلة الخلافات السياسية، وتشكيل حكومة إقليم كوردستان في أقرب وقت ممكن، يمثلان أولوية لا تقل أهمية عن التحركات الدبلوماسية.

إن حالة الجمود السياسي الداخلي تؤثر بشكل مباشر على قوة الموقف التفاوضي للإقليم في الخارج، وتحد من قدرته على الاستفادة من الفرص المتاحة. لذلك، فإن المرحلة تتطلب إرادة سياسية حقيقية لتجاوز الخلافات، والبدء بحوار جاد ومسؤول يضع مصلحة الإقليم فوق أي اعتبار آخر.

كما أن إعادة تفعيل المؤسسات، وتحسين مستوى الخدمات، والاستجابة لمطالب المواطنين، تمثل عناصر أساسية في بناء بيئة داخلية مستقرة تدعم أي تحرك خارجي. فالدبلوماسية الناجحة تنطلق من الداخل، وتعتمد على قوة الجبهة الداخلية وتماسكها.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن ما جرى في منتدى أنطاليا لحد الان يشكل فرصة مهمة يجب البناء عليها، ليس فقط على مستوى العلاقات الخارجية، بل أيضًا كحافز لإعادة ترتيب البيت الداخلي. فالكورد، كما هو معروف، قدموا الكثير من التضحيات عبر تاريخهم، وهم يستحقون اليوم مرحلة من الاستقرار والازدهار.

إن تحقيق ذلك يتطلب توازنًا بين الطموح والواقعية، وبين العمل الدبلوماسي الخارجي والإصلاح الداخلي. كما يتطلب استعدادًا لتقديم التنازلات المتبادلة من قبل جميع الأطراف السياسية، لأن الوصول إلى حلول وسط هو السبيل الوحيد للخروج من الأزمات المعقدة.
وفي الختام، فإن هذه المشاركة المتميزة لرئيس إقليم كوردستان في منتدى أنطاليا يجب أن تُقرأ كجزء من مشهد أوسع، يشمل تحديات وفرصًا في آن واحد. وما بين ما ظهر للعلن وما يجري خلف الكواليس، تبقى المسؤولية مشتركة في تحويل هذا الحراك إلى نتائج ملموسة تخدم مصلحة الإقليم وشعبه.

إن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة القيادة على استثمار هذا الزخم الدبلوماسي، وتحويله إلى خطوات عملية تعزز الاستقرار السياسي والاقتصادي، وتفتح آفاقًا جديدة لمستقبل أفضل

قد يعجبك ايضا