السياسة الجنائية للمشرع العراقي في مواجهة الجرائم المخلة بالشرف

رزكار حمه رحيم بينجويني

تُعد الجرائم المخلة بالشرف من أخطر الظواهر الإجرامية التي تواجه المجتمعات الحديثة، لما لها من أثر بالغ في زعزعة الثقة الاجتماعية والإضرار بالقيم الأخلاقية والاعتبار الاجتماعي للأفراد. وقد أولى المشرع العراقي عناية خاصة لهذا النوع من الجرائم، إدراكاً منه لخطورتها وانعكاساتها السلبية على النظام العام والأخلاق العامة. وتأتي السياسة الجنائية للمشرع العراقي في هذا المجال بوصفها إطاراً تشريعياً يهدف إلى الوقاية من هذه الجرائم، وردع مرتكبيها، وحماية المجتمع من آثارها.

تنطلق السياسة الجنائية للمشرع العراقي في مواجهة الجرائم المخلة بالشرف من فلسفة تقوم على تحقيق التوازن بين حماية القيم الأخلاقية للمجتمع وضمان حقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية. فالجرائم المخلة بالشرف لا تمس فرداً بعينه فحسب، بل تمس البنية القيمية للمجتمع ككل، الأمر الذي يبرر تدخل المشرع بعقوبات صارمة وإجراءات قانونية خاصة.

وقد نظم قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 الجرائم المخلة بالشرف ضمن مجموعة من النصوص التي تناولت الأفعال التي تمس الشرف والاعتبار، مثل جرائم الزنا، وهتك العرض، والاغتصاب، والتحريض على الفسق والفجور، والجرائم التي تمس السمعة والاعتبار. ويلاحظ أن المشرع العراقي قد اعتمد في تجريمه لهذه الأفعال على معايير أخلاقية واجتماعية مستمدة من طبيعة المجتمع العراقي وقيمه الدينية والاجتماعية.

وتتجلى السياسة الجنائية للمشرع العراقي في هذا المجال من خلال تشديد العقوبات المقررة للجرائم المخلة بالشرف، حيث تتراوح العقوبات بين الحبس والسجن المؤبد في بعض الحالات المشددة، ولا سيما عندما تقترن الجريمة بظروف مشددة كاستعمال العنف أو وقوعها على قاصر أو استغلال حالة ضعف المجني عليه. ويهدف هذا التشديد إلى تحقيق الردع العام والخاص، ومنع تكرار هذه الجرائم.

كما اعتمد المشرع العراقي على سياسة وقائية إلى جانب السياسة العقابية، من خلال تجريم الأفعال التحضيرية التي تؤدي إلى ارتكاب الجرائم المخلة بالشرف، مثل التحريض والتسهيل والمساعدة. ويعكس ذلك توجهاً تشريعياً يرمي إلى محاصرة الجريمة في مراحلها الأولى قبل اكتمال أركانها.

ومن مظاهر السياسة الجنائية أيضاً مراعاة المشرع لخصوصية الجرائم المخلة بالشرف من حيث الإجراءات، إذ منح بعض الجرائم طبيعة خاصة من حيث تحريك الدعوى الجزائية، وربطها في بعض الأحيان بشكوى من المجني عليه، مراعاةً لاعتبارات اجتماعية وأخلاقية تتعلق بسمعة الأسرة والمجتمع. ويظهر ذلك بوضوح في بعض جرائم الاعتداء على العرض التي تتطلب تقديم شكوى لتحريك الدعوى.

وفي إطار حماية الضحايا، سعى المشرع العراقي إلى توفير ضمانات قانونية للمجني عليهم في الجرائم المخلة بالشرف، من خلال حماية خصوصيتهم أثناء التحقيق والمحاكمة، ومنع نشر التفاصيل التي تمس كرامتهم. وتنسجم هذه التوجهات مع المبادئ الحديثة للسياسة الجنائية التي تركز على حقوق الضحايا إلى جانب معاقبة الجناة.

ومع ذلك، يواجه تطبيق السياسة الجنائية في هذا المجال جملة من التحديات، أبرزها التغيرات الاجتماعية والثقافية التي يشهدها المجتمع العراقي، وتطور وسائل ارتكاب الجرائم، ولا سيما مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، التي أفرزت صوراً جديدة من الجرائم المخلة بالشرف، مثل الابتزاز الإلكتروني والتشهير الرقمي. وقد دفع ذلك المشرع العراقي إلى إدخال تعديلات وتشريعات مكملة لمواكبة هذه المستجدات.

وتُظهر السياسة الجنائية للمشرع العراقي اتجاهاً واضحاً نحو حماية الأخلاق العامة وصيانة القيم الاجتماعية، مع السعي إلى تحقيق العدالة الجنائية وضمان حقوق الإنسان. غير أن فعالية هذه السياسة تبقى مرهونة بحسن تطبيق النصوص القانونية، وتطوير آليات إنفاذ القانون، وتعزيز الوعي المجتمعي بخطورة الجرائم المخلة بالشرف.

ويمكن القول إن السياسة الجنائية للمشرع العراقي في مواجهة الجرائم المخلة بالشرف تمثل منظومة متكاملة من التدابير التشريعية والعقابية والوقائية، تهدف إلى حماية المجتمع والحفاظ على قيمه الأساسية. ويظل تطوير هذه السياسة أمراً ضرورياً لمواكبة التحولات الاجتماعية والتكنولوجية، وضمان تحقيق الردع والعدالة في آن واحد.

قد يعجبك ايضا