حق التعلم: عندما تتحول “فريضة” الإسلام إلى “حق إنسان” عالمي
حق التعلم: عندما تتحول “فريضة” الإسلام إلى “حق إنسان” عالمي
في رحاب الشريعة الإسلامية، يبرز حق التعليم كأحد أعمق الحقوق الإنسانية وأكثرها أصالة، حيث يتحول من مجرد مطلب اجتماعي إلى فريضة دينية وواجب إلهي .
لقد أسس القرآن الكريم لهذا الحق بمبدأ “اقرأ” التأسيسي، وجسده رسول الله نبي الرحمة محمد ” صلى الله عليه واله وسلم ” في سنته العملية، وأكده أئمة الهدى “عليهم السلام” في رؤاهم التربوية المتقدمة .
ففي اللحظة التأسيسية الأولى للرسالة، كانت الكلمة الأولى “اقرأ” إعلاناً صريحاً بأن الإنسان كائن متعلم بطبعه، وأن المعرفة هي سبيله إلى التعرف على خالقه وعمارة أرضه .
ولم يكتف القرآن الكريم بالإعلان عن هذا الحق، بل جعله مظهراً من مظاهر التكريم الإلهي، كما في تعليم آدم الأسماء كلها، وجعل أدوات التعلم – السمع والأبصار والأفئدة – هبات إلهية للإنسان ليشكر ويبحث ويتعلم .
وجاءت سنة النبي محمد “صلى الله عليه واله وسلم ” لتحول هذا المبدأ النظري إلى واقع عملي، فجعل “طلب العلم فريضة على كل مسلم”، مساوياً في الإلزام بين الرجال والنساء، ومحولاً التعليم إلى عبادة يستمر أجرها بعد الموت.
لقد كان الرسول الأعظم محمد ” صلى الله عليه واله وسلم ” معلماً قبل أن يكون قائداً، ومحفزاً للتعلم قبل أن يكون مشرعاً، حتى جعل فداء بعض أسرى بدر تعليم عشرة من أبناء المسلمين، في سابقة تاريخية تظهر القيمة العليا للعلم في منظومته القيمية .
وأكمل الأئمة من آل البيت “عليهم السلام” هذه الرؤية، فجاء قول الإمام علي” عليه السلام ” قيمة كل امرئ ما يحسنه” ليربط كرامة الإنسان مباشرة بما يتعلمه ويتقنه، مقدماً رؤية عملية تتناسب مع تغير الزمان وتطور المعرفة، محذراً من قسر الأبناء على آداب الآباء لأنهم “مخلوقون لزمان غير زمانكم ” .
إن هذه الرؤية الإسلامية المتكاملة تسبق العصر الحديث في تأكيدها على مجانية التعليم وإلزاميته وشموليته، حيث لا تمييز بين غني وفقير، ولا بين ذكر وأنثى، ولا بين علوم دينية ودنيوية، طالما كانت المعرفة نافعة للإنسان والمجتمع. وهنا يلتقي البعد الديني مع البعد الإنساني، فالتعليم في الإسلام ليس فقط حقاً فردياً، بل هو استثمار مجتمعي وأمانة أخلاقية ووسيلة لتحقيق الاستخلاف في الأرض .
في عصرنا الحالي، حيث تتصدر قضايا التعليم أولويات حقوق الإنسان العالمية، تقدم الرؤية الإسلامية نموذجاً روحياً وأخلاقياً يجعل من العلم عبادة، ومن التعلم سمواً إنسانياً، ومن التعليم استثماراً في كرامة الإنسان وعدالة المجتمع. إنها دعوة متجددة لبناء أنظمة تعليمية تحترم العقل وتكرس المساواة وتخدم الإنسانية، مستلهمين من هذا التراث العظيم ما يجعل التعليم حقاً حياً للجميع، وطريقاً إلى حياة كريمة يستحقها كل إنسان .