عمالة الاطفال.. عالم يقتات على الطفولة

مروة الاسدي

يتفاقم استغلال الأطفال حول العالم بشكل مريب بحيث تتمثل أغلب أشكال الاستغلال في التشغيل والإجبار على الأعمال الشاقة الخاصة بالكبار والاستغلال الجسدي خاصة اوقات الحروب، وعلى الرغم من أن القوانين في كثير من الدول النامية تمنع تشغيل الأطفال، إلا أن ضعف الإمكانات المادية في هذه الدول يعيق تنفيذ القوانين كما أن حاجة العديد من الأسر في الدول النامية بسبب انخفاض مستويات المعيشة، تجعل من عمل الأطفال مصدر دخل إضافي لسد حاجات أسرهم الأساسية. إذ يرى المتخصصون في علم النفس ان النزاعات والحروب زادت من عمالة الاطفال وكذلك سوء الوضع السياسي والاقتصادي، فقد اصبحت ظاهرة العمالة مؤشرا خطيرا لان الاطفال ما بين 5 و17 عاما يقومون باعمال صعبة جدا لا تتناسب مع أعمارهم وأجسادهم ولا قدراتهم العقلية، ويضيف هؤلاء المختصون بأن ظاهرة عمالة الاطفال تعكس الوضع الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي للمجتمع، “مع ظروف البطالة والفقر، دفعت العائلات الفقيرة بأبنائها الى سوق العمل.

هناك ملايين الأطفال يعملون لمساعدة أسرهم بطرق لا تنطوي على ضرر أو استغلال. ومع ذلك، تشير تقديرات اليونيسف إلى أن هناك حوالي 150 مليون طفل تتراوح أعمارهم بين 5 أعوام و14 عاماً في البلدان النامية، وحوالي 16 في المائة من جميع الأطفال في هذه الفئة العمرية، ينخرطون في عمالة الأطفال. وتقدر منظمة العمل الدولية أن هناك نحو 215 مليون طفل دون سن 18 عاماً يعملون ويعمل كثير منهم بدوام كامل، في جميع أنحاء العالم. وفي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى يعمل واحد من كل 4 أطفال تتراوح أعمارهم بين 5 أعوام 17 عاماً، مقارنة بواحد من كل 8 أطفال في آسيا والمحيط الهادي وواحد من كل 10 أطفال في أمريكا اللاتينية .

تشن السلطات في العاصمة جاكرتا حملة على استغلال الأطفال بعد الكشف في الفترة الأخيرة عن سلسلة قضايا من عمالة الأطفال إلى تعرضهم للعنف والانتهاكات الجنسية، وقالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) إن عشرات الألوف من الأطفال يجري تهريبهم سنويا في إندونيسيا ويجبر أغلبهم على العمل في الدعارة والأعمال اليدوية، وتأتي الحملة في أعقاب اعتقال عدد من سكان جاكرتا العام الماضي كانوا يخدرون الأطفال ويستخدمونهم في التسول أو يؤجرونهم لسائقي سيارات يسعون للتحايل على قاعدة عدد الركاب لتجنب التكدس المروري الشديد في العاصمة

ويمارس البعض منذ فترة طويلة حيلة تأجير ركاب إضافيين من الشارع للاستفادة من أولوية المرور للسيارت التي تضم ثلاثة ركاب أو أكثر في المدينة التي يقطنها عشرة ملايين نسمة، لكن اكتشاف أن بعض من يشغلون الأطفال في هذا العمل يخدرون الرضع ويعرضونهم للإيجار دفع السلطات لتعليق هذا القاعدة المرورية، وقال محمد إقبال المتحدث باسم الشرطة “هذه الحالات هي جرس إنذار لنا جميعا لتحسين أساليب الشرطة لجعلها أكثر استعدادا ومنع العنف ضد الأطفال”، وأضاف أن السلطات بدأت في تخصيص منازل آمنة للأطفال المعرضين للخطر في المدينة إلى جانب تكثيف الدوريات في الأحياء التي يتواجد بها العديد من الأطفال .

من جانبها صادقت لجنة القطاعات الاجتماعية بالبرلمان المغربي بغالبية الأصوات في جلسة خاصة مغلقة الاثنين على مشروع قانون متعلق بالعمالة المنزلية، يسمح بتشغيل العاملين دون سن 18 عاما، وسيعرض المشروع على البرلمان، ما يرجح إمكانية تبنيه من قبل النواب، كما قالت العضو في اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان في أكادير فدوى رجواني .

وبررت الحكومة المغربية قرارها الاحتفاظ بتشغيل العاملين أقل من 18 سنة بحاجة بعض العائلات إلى عمل أولادها عندما يكونون قادرين على العمل، وهو ما ترفضه المعارض والجمعيات الحقوقية، وقالت فدوى رجواني لفرانس24 إن هذا مشروع القانون “يتعارض مع كل المواثيق الدولية التي تبناها البرلمان المغربي والتي تحمي حقوق الأطفال، كما تتعارض مع قانون السن الإجبارية للدراسة في المغرب وهي 16 عاما”. كما اعتبرت أنه سيفاقم البطالة في صفوف الشباب وأنه يخدم “الليبرالية المتوحشة التي تستغل الأطفال”، وعلى خلفية هذا القانون المثير للجدل يستعد ناشطون ومؤسسات حكومية لتنظيم وقفات احتجاجية بالإضافة إلى التحرك على مستوى شبكات التواصل الاجتماعي .

وفيما يعمل صبيان في السابعة من العمر يغطي الغبار ثيابهما في منجم مفتوح للغرانيت في عاصمة بوركينا فاسو، فعمالة الأطفال سائدة في بلد يعيش نصف سكانه تقريبا مع حوالى دولار واحد في اليوم، وقد أظهرت الدراسة الوطنية حول عمل الأطفال التي تعود بياناتها للعام 2006 أن نحو 60 % ممن تتراوح أعمارهم بين 5 أعوام و17 عاما يزاولون أنشطة اقتصادية في هذا البلد الساحلي حيث يعيش نحو 19 مليون شخص .

ويكدح عشرات المراهقين، مثل ايمي (15 عاما) وشقيقتها (14 عاما)، في منجم بيسي للغرانيت، وتقول الفتاة “نركب كلتانا دراجة هوائية وتستغرق الرحلة أكثر من ساعة، فضلا عن ثماني ساعات عمل في اليوم لستة أيام في الأسبوع ” .

ومنذ ساعات الفجر الأولى، يتوافد آلاف الأشخاص إلى المنجم وينزلون الحفرة العمقية والزلقة وهم ينتعلون الصنادل والأخفاف. ويرجعون وهم يحملون على رؤسهم أطباقا عليها قطع غرانيت يبيعون كل واحدة منها في مقابل 300 فرنك افريقي (نصف دولار). ويستخدم هذا الغرانيت في تشييد المباني والمنازل والطرقات .

تسأل الشابة نيماتا التي تورمت يداها وتحول لون أصابعها إلى بنفسجي “هل لديكم أدوية”. وتمضي قائلة “إنها المطرقة …” قبل أن يمنعها السعال من إكمال جملتها، فالهواء هنا محمل بالغبار والغازات السامة المنبعثة من حرق الإطارات التي تستخدم لإضعاف الحجر قبل كسره، وما من أقنعة واقية أو قفازات يضعها العمال هنا .

ويتعرض العمال في منجم بيسي إلى خطر الإصابة بأمراض رئوية، مثل الربو والسل في الحالات القصوة، على ما يوضح الطبيب بريما كومبين من قسم الأمراض الرئوية في مركز يالغادو الاستشفائي الجامعي في واغادوغو

ويقول الطبيب “إنها أمراض صامتة فهؤلاء الأشخاص لا يحصلون على ما يكفي من الأكسجين طوال حياتهم … ويتغلغل الغبار المعدني في رئاتهم”، وقد بينت الدراسة الوطنية حول عمل الأطفال أن طفلا واحدا من كل اربعة يمارسون أنشطة اقتصادية في البلاد يقوم بمهام ذات طابع خطر، وتصب ايمي طبق الغرانيت على كتلة الأحجار التي جمعتها. فكل عائلة تملك هنا قطعة أرض منذ سنوات عندما غادر الفرنسيون ما كان يعرف بجمهورية فولتا العليا .

قد يعجبك ايضا