حسو هورمي
لا تزال الذاكرة الإيزيدية، بامتزاج عميق بين الألم والصمود، مثقلة بإرث طويل من الإبادات الجماعية التي تعرّض لها هذا المجتمع عبر قرون، وهو إرث لا يقتصر تأثيره على زمن وقوع المأساة، بل يمتدّ ويتغلغل في الأجيال اللاحقة ضمن ما يصفه علم النفس بـ “الصدمة المنتقلة عبر الأجيال”؛ تلك التجربة النفسية التي لا تنتهي بانتهاء الحدث، بل تتوارثها الأجيال لتؤثر في هويتها وسلوكها وعلاقتها بالعالم.
وينطلق هذا المفهوم لدى كاتب هذه السطور، من تجربة شخصية مرتبطة بإبادة اجدادي من عشيرة الباسان الإيزيدية عام 1916 ضمن الحملات العثمانية التي طالت الأرمن والآشوريين والسريان والإيزيديين، وغيرهم وهي مأساة ما تزال حاضرة في الوجدان الجمعي لأحفاد الناجين رغم مرور أكثر من قرن عليها، حيث تواصل تشكيل وعيهم وتوجيه سلوكهم اليومي، سواء عاشوا الحدث مباشرة أو وصل إليهم عبر روايات الأجداد المتوارثة.
ذاكرة حية: “نحن تمثيل لذاكرة أجدادنا”
تلخص عبارة الإيزيديين “نحن تمثيل لذاكرة أجدادنا” العمق الضارب للصدمة في جذور الهوية الجمعية. فالماضي الكئيب ليس مجرد ذكرى، بل هو عنصر فاعل في تشكيل الحاضر والمستقبل. وهذا يولد قلقاً مستمراً وشعوراً بعدم الأمان، ليصبحا إرثاً مشتركاً يشكل جزءاً كبيراً من النفسية العامة للإيزيديين.
وتؤكد الدراسات النفسية، خاصة تلك التي تناولت أحفاد ناجي الهولوكوست، أن آثار الصدمة تنتقل بطرق معقدة تشمل السرد الشفوي والسلوك وحتى التأثيرات الجينية. وتتجلى هذه الآثار في أعراض مثل القلق المزمن، وضعف الثقة بالنفس، والعزلة الاجتماعية، والكوابيس، والتي قد تمتد لعدة أجيال.
تشابك أوجه الصدمة: من التاريخي إلى الثانوي
يميز علم النفس بين عدة أنواع من الصدمات تتشابك في هكذا حالات:
• الصدمات التاريخية: ناجمة عن أحداث اضطهاد واسعة النطاق تستهدف جماعات معينة.
• الصدمات الجماعية: تصيب مجتمعاً بأكمله عند تعرضه لحروب أو مذابح.
• الصدمة بالإنابة: تحدث عندما يتأثر الفرد بمعاناة الآخرين عبر رواياتهم أو مشاهدته لمآسيهم.
• الصدمة الثانوية: تظهر عندما تنتقل آثار صدمة الجيل الأول إلى الأجيال اللاحقة.
“فرمان”: رمز الرعب الذي يعيد نفسه
تتجلى استمرارية الصدمة في المفردات المتجذرة في الوجدان الإيزيدي، وأبرزها كلمة “فرمان” التي اُستخدمت تاريخياً للإشارة إلى القرارات العثمانية باستباحة هذا المجتمع. مع التكرار، غدت الكلمة رمزاً للرعب والموت. وقد اكتسبت هذه المفردة دلالاتها الواقعية من جديد مع “فرمان” تنظيم داعش عام 2014، الذي وثّق مأساة الإيزيديين بالصوت والصورة: القتل الجماعي، والخطف، والاحتجاز القسري، والإسترقاق مما أسهم في مضاعفة الوجع وتعميق أثر الصدمة الذي ما يزال حاضراً حتى اليوم.
تجليات الصدمة في الحياة اليومية والتربية
ليست الحياة اليومية للإيزيدي منفصلة عن إرث الماضي. فآثار الصدمة تظهر في:
• الخوف الدائم من المستقبل وضعف الثقة بالآخر.
• الانعزال الاجتماعي والتردد في اتخاذ القرارات.
• الحساسية المفرطة تجاه الأحداث والشعور الدائم بالتهديد.
• التمسك بالهوية كآلية دفاعية.
كما تنتقل الصدمة عبر التربية، حيث يورّث الآباء – دون قصد – الأبناء حذراً مبالغاً فيه وقلقاً وجودياً، مما يغذي هذه الدورة عبر الأجيال، حتى بين الأطفال والشباب الذين لم يعايشوا النكبات مباشرة.
التراث اللامادي: الأرشيف الحي للألم والمقاومة
يلعب التراث الشفهي واللامادي دوراً حاسماً في حفظ الذاكرة الجمعية وإعادة تشكيل الوعي. فالأغاني الشعبية، والمناحات، والحكايات المرتبطة بالمذابح، تشكّل معاً “أرشيفاً حياً” للمعاناة. ولأن هذه الإبداعات بلا مؤلف معروف، فهي تعبّر عن تجربة جماعية، حاملةً في طياتها تفاصيل المجازر وأسماء الضحايا والمناطق التي طالها الدمار. حتى الأمثال الشعبية والموسيقى الكوردية المولودة من رحم الألم تحمل رسائل الخوف والأمل والصمود. حيث تتداخل التجارب التاريخية مع الروايات الشفوية والأغاني والطقوس، لتصنع نسيجاً جمعياً ثقيلاً.
الصدمة غير المباشرة: وجع يتجاوز الضحايا
لم تقتصر آثار مأساة شنكال (2014) على الإيزيديين وحدهم، بل امتدت إلى المجتمعات المجاورة، خاصة في إقليم كوردستان العراق (دهوك). حيث عاش الكثيرون “صدمة غير مباشرة” من خلال التعاطف العميق مع الناجين، وهو شعور وصفه علماء النفس بـ “التعاطف الزائد”، مما حول المأساة إلى نقطة التقاء إنساني، وإن كان ذلك قد أثقل كاهل الكثيرين نفسياً.
الخلاصة: هوية مشكّلة بالألم والصمود
تشير القراءة في الذاكرة الإيزيدية إلى عدة خلاصات مركزية:
. 1يحمل الإيزيديون إرثاً متراكماً من الصدمات التاريخية أصبح جزءاً لا يتجزأ من هويتهم الجمعية.
. 2الخوف من تكرار الماضي حاضر بقوة في الوعي الفردي والجماعي وفي القرارات اليومية.
. 3تنتقل الصدمة عبر آليات متعددة، تشمل السرد الشفوي والتربية، وتشير بعض الأبحاث إلى إمكانية انتقالها جينياً.
. 4يعيش غالبية الإيزيديين اليوم في مخيمات النزوح، مما يغذي حالة دائمة من التوتر وفقدان الثقة.
في المحصلة، لا تمثل هذه الصدمة لدى المجتمع الإيزيدي حدثاً عابراً، بل هي تراكم تاريخي وجداني يواصل تشكيل نسيج هذا المجتمع. ورغم ثقل الألم والحضور الدائم للذاكرة المؤلمة، يظل صمود الإيزيديين وتمسكهم بتراثهم وهويتهم دليلاً على قدرتهم على تحويل الوجع إلى قوة واستمرارية، حاملين في ذاكرتهم جراح الماضي وأمل المستقبل في آن معاً.