حقوق الإنسان بين التعهد النظري والتطبيق العملي

 

 

جميل عودة

 

يظل موضوع حقوق الإنسان أحد أهم الموضوعات الحاضرة في جميع الاتفاقيات والمعاهدات والإعلانات الدولية، ولا يكاد يغيب عن جميع المؤتمرات والندوات وورش العمل التي تعقد على المستويات الدولية والإقليمية والوطنية، وتجري نقاشات مستفيضة بشأن تلك الحقوق وتفرعاتها وفئاتها والجهات المسؤولة عنها، ومدى التزامها الواقعي في تطبيق الحقوق والحريات المنصوص عليها في الإعلانات الدولية والإقليمية، والدساتير والقوانين الوطنية، وتجسيدها على أرض الواقع .

وعلى الرغم من التعهد الواضح من معظم دول العالم تسجل يوميـا انتهاكـات جـسيمة لحقوق الإنسان في كثير من دول العالم، وتستمر فـرق الناشـطين والمنظمـات غيـر الحكومية في تحميل كل حكومات العالم تقريباً مسئولية اشتراكها في جريمـة انتهـاك واحداً أو أكثر من حقوق الإنسان في سياساتها المحلية والدولية. وعليه؛ فالتفاوت واضح بين التعهد النظري والتطبيق العملي، فمن ناحية تعد حقوق الإنسان فكرة مثالية جداً لدرجة أنه ليس هناك حكومة في العالم اليوم تستطيع رفضها علنياً، ومن ناحية أخرى فإن أكثر الحقوق الأساسية للإنسان تنتهك بشدة في كل أنحاء العالم تقريبا بما فيها الدول المتحضرة غربا .

وفي خضم اهتمام المجتمعات الحاضرة بمبادئ حقوق الإنسان كونها جزء لا يتجزأ من منظومة المجتمع المدني الحديث لم يلتفت المنظرون والمختصون والداعون إلى تبني هذه الحقوق -إلا النزر اليسر منهم- إلى النصوص الحقوقية التي جاءت في ضمن المنظومة الإسلامية، لاسيما في القرآن الكريم وأحاديث النبي (ص) ونصوص أئمة المسلمين الذين كتبوا عن تلك الحقوق والحريات وطبقوها في حياتهم وحياة مجتمعاتهم مع بداوة الحياة يومذاك .

ومع أن تلك النصوص الحقوقية هي واجبات ينبغي للمسلمين تطبيقها كجزء من إيمانهم بالله عز وجل وصدق بنوة نبيهم (ص) حيث يُثاب من يلتزم بها ويُعاقب من يعرض عنها أو يخرقها، إلا أنها أضحت في كثير من الأحيان جزء أساسيا من تقاليد المسلمين وعاداتهم قاطبة، ومازالوا يمارسونها في حياتهم ليس من حيث كونها عقيدة إسلامية ينبغي الالتزام بها وحسب بل من حيث هي عادات وتقاليد اجتماعية تداولت عليها الأجيال، جيل يورثها إلى جيل آخر حتى وصلت إلى الجيل الحالي، مثل الإقرار بكرامة الإنسان، وحرمة قتله، وحرمة جرحه، وحرمة الاعتداء على ماله ومسكنه، ومعونة الأغنياء للفقراء؛ استنادا إلى مبدأ التكافل الاجتماعي، ونصرة المظلوم، ومقاطعة الظالم حتى يرجع عن ظلمه، وعدم الاعتداء على النساء والأطفال والشيوخ ولو كانوا أعداء إلى آخره .

 

ورغم أن حقوق الإنسان في الإسلام هي حقوق نظرية وعملية في الوقت نفسه، إلا أنها أيضا لم تحظ بالاهتمام المطلوب ليس على مستوى الدول والحكومات والمنظمات الإنسانية الكبرى إنما على مستوى الحكومات (الإسلامية) في البلدان الإسلامية، وعلى مستوى النخب والطبقات الإسلامية المتعلمة والمثقفة، هذا ناهيك عن وجود تراجع ملحوظ في تطبيق تلك الحقوق في العلاقات الاجتماعية التي توارثها المسلمون جيل من بعدة جيل .

والسؤال هو لماذا لم يلتفت المعنيون بشأن حقوق الإنسان وحرياته إلى النصوص الإسلامية التي تغطي جانبا واسعا من تلك الحقوق التي جاءت بها المواثيق الدولية؟ ولماذا لم يسع المسلمون إلى تنظيم تلك الحقوق وتفعيلها في المجتمعات الإسلامية، وهي تحظى بالأصل بالمقبولية لدى أفراد المجتمع كونها عقيدة إيمانية واجبة التطبيق من جهة، وكونها عادات وتقاليد راسخة متوارثة من جهة ثانية؟

قد يكون السبب في عدم التفات الأجيال المعاصرة إلى النصوص الحقوقية التي جاء بها الإسلام لتنظيم حياة المسلمين، وعدم الاهتمام بتنظيمها كما هو عليه الاهتمام بالمواثيق الدولية أن هذه النصوص أصبحت حاصل تحصيل لحياة المسلمين واعتاد الناس عليها، وهي من المسلمات الاجتماعية التي تعارف المجتمع الإسلامي على تبنيها. وعليه لم تعهد هناك حاجة كبيرة إلى التنظير لها أو الدعوة إليها إلا على سبيل التذكير بها كلما وجد الداعون لها أن المجتمع الإسلامي بدأ يتناسى هذه الحقوق تحت تأثير ضغط الحياة المعاصرة، فيعمل الداعون للإسلام على تذكيره بها كونها عقيدة إسلامية ينبغي الالتزام بها على نحو الوجوب أو الاستحباب .

 

وقد يكون السبب أن المجتمعات الإسلامية المعاصرة نتيجة لتطور الحياة وتعقدها، ونتيجة دخول المناهج التربوية غير الإسلامية ابتعدت شئيا فشيئا عن المنهاج الإسلامي والتربية الإسلامية، وأضحت الثقافة الجديدة أكثر استحواذا وانتشارا في الساحة الإسلامية، وعليه؛ فهي التي تقترح دائما حلولا غير تلك التي يمكن أن يقترحها المنهج الإسلامية. وقد انعكس ذلك كلها على نظام الحقوق والحريات العامة والخاصة أيضا، وتوجه المجتمع الإسلامي إلى صياغة قوانين وإعلانات ومواثيق وضعية تتناسب ووضعه الثقافي والتربوي الجديد .

نعم أن مسألة حقوق الإنسان تحظى بأهمية بالغة في حياة الأفراد والمجتمعات، لما لها من أهمية في معرفة حقوق الإنسان، وأن الإسلام قد سبق المواثيق والشرائع الوضعية في إرسـاء مبـادئ حقـوق الإنسان واحترام الشخصية الإنسانية بكفالته لحرية الفكر وحريـة التـدين، والحريـة السياسية وإرسائه لمبادئ الشورى والحق والعدل والمساواة بين البشر. وأن حقوق الإنسان في الشريعة الإسـلامية يجهلها الكثير من المسلمين وغير المسلمين، فكان مـن الواجـب بيـان تفـوق الشريعة الإسلامية على القوانين الوضعية، خاصة في مجال حقوق الإنسان، والتي تحظي في عصرنا الحاضر بكثير من الاهتمام .

قد يعجبك ايضا