الباحث الحقوقي رنج باراوي*
في عالم السياسة، وقبل أن نغرق في تفاصيل الديمقراطية وآلياتها وصناديق اقتراعها، ثمة حقيقة بديهية تتقدم على كل شيء: الاستقرار وحماية الكيان هما جدار الصد الأول للأمم. والتاريخ، قديمه وحديثه، يعلمنا درساً قاسياً ومكرراً؛ فالأوقات العصيبة والمنعطفات الخطيرة التي تفرقت فيها الكلمة، كانت تنتهي دائماً بكارثة واحدة: غياب مركز القرار الموحد وفقدان المرجعية العليا القادرة على الحسم.
حتى اليونانيون القدامى، وهم الذين أسسوا الديمقراطية ووضعوا فلسفتها، كانوا في لحظات الخطر الداهم يتركون السجالات جانباً ويعودون إلى حكمة مجلس الشيوخ والالتفاف حول قادتهم التاريخيين؛ وحين قدمت مدنهم خلافاتها الصغيرة ومصالحها الضيقة على حساب أمنهم القومي الشامل، تلاشت إمبراطوريتهم وتحولت إلى مجرد سطور في كتب التاريخ.
تحذيرات دولية وواقع يفرض الوحدة:
اليوم، لا تحتاج قراءة المشهد الكردي في بغداد إلى الكثير من العناء؛ فعناوين الصحف العالمية، وتقارير مراكز الأبحاث الدولية، ترسل إشارات مقلقة للغاية. عندما يصبح تشتت الموقف الكردي في العاصمة الاتحادية مادة دسمة للتحليل الدولي، فإن الأمر لم يعد مجرد مناكفة سياسية عادية، بل هو ناقوس خطر حقيقي يحذر من تراجع ثقل إقليم كردستان في معادلة الشرق الأوسط الملتهبة.
وفي ظل هذه التحولات السريعة والعاصفة، لا تبدو المرجعية السياسية الموحدة مجرد خيار سياسي، بل هي طوق نجاة تفرضه حتمية البقاء وحماية ما تحقق من مكتسبات.
لقد أثبتت التجارب أن استنساخ النظريات السياسية الغربية وتطبيقها بشكل أعمى في منطقتنا دون مراعاة لخصوصيتنا الثقافية والاجتماعية هو وهم كبير. فبمنطق الطبيعة وجغرافيا الأرض، لا شجرة الجوز تثمر في رطوبة البصرة، ولا النخلة يمكنها الصمود في صقيع جبال هورامان. وبذات المنطق، فإن مجتمعاتنا في الشرق الأوسط بحاجة دائماً إلى “بيت له كبير”؛ مرجعية عليا يلوذ بها الجميع عند الأزمات، تملك القدرة على اتخاذ القرار السريع والشجاع لحماية الأرض والوجود.
دروس من التاريخ: حكمة المرجعية المنقذة:
وإذا أردنا محاكمة هذا الطرح بلغة المنطق والواقع، دعونا نتأمل ثلاث محطات تاريخية، أنقذت فيها المرجعية شعوباً بأكملها من الانزلاق إلى الهاوية:
-في جنوب أفريقيا: عقب سقوط نظام الفصل العنصري، حين كانت لغة الانتقام والإقصاء هي السائدة بين الأطراف المتطرفة، لم يتصرف نيلسون مانديلا كرئيس حزب، بل تسامى ليكون مرجعية أخلاقية ووطنية، فآمن به الخصوم قبل الأصدقاء، وجنب بلاده بحوراً من الدم.
-في إسبانيا: بعد رحيل الديكتاتور فرانكو عام 1975، كانت البلاد على شفا حرب أهلية جديدة بين يسار يطلب الثأر ويمين يستميت للبقاء. وهنا تدخل الملك خوان كارلوس كمرجعية وطنية جامعة، ونجح في صياغة عقد اجتماعي واستقرار تاريخي.
-في العراق بعد 2003: في ذروة الاحتراب الطائفي والمهددات الوجودية مثل اجتياح تنظيم داعش، وحين شُلت مؤسسات الدولة تماماً، كانت “مرجعية النجف” هي صمام الأمان الذي ضبط البوصلة ومنع انهيار الكيان العراقي بالكامل.
إرث “مام جلال” والمكانة الطبيعية للبارزاني:
حين نعود إلى تاريخنا القريب، نكتشف أن الحديث عن مرجعية وطنية للبارزاني ليس ابتكاراً جديداً ولا ترفاً سياسياً، بل كان رؤية استراتيجية وقناعة راسخة لدى كبار قادتنا. فالراحل الرئيس مام جلال (جلال طالباني)، ببعد نظره وعقليته القيادية الفذة، أكد في محطات تاريخية عديدة سبقت وتلت صياغة الدستور العراقي، على ضرورة أن يتولى كاك مسعود بارزاني قيادة الملفات السيادية والقومية للكرد.
كان مام جلال يقولها بوضوح لا لبس فيه أمام القادة العراقيين والدوليين: “مكانة كاك مسعود في كردستان هي المرجعية الأساسية لقرارنا القومي”. هذا التوزيع الحكيم للأدوار والمكانة كان الدرع الأقوى لحماية الإقليم، مبرهناً على أن مرجعية البارزاني كانت عند مام جلال خطاً أحمر لا يُمس لضمان وحدة الصف، حتى في أوج التنافس الحزبي.
إن القراءة المنصفة والمجردة من الخصومات الشخصية للمشهد الحالي، تفضي إلى حقيقة واضحة: الرئيس مسعود بارزاني هو الشخصية الوحيدة اليوم التي تمتلك الميزات التاريخية والواقعية لملء هذا الموقع. فالرجل يقود في ميادين السياسة والبيشمركة منذ أكثر من نصف قرن، وعايش كل الاتفاقيات والنكسات والانتفاضات، وامتصت تجربته تاريخ الحركة التحررية الكردية بحذافيرها. هذا الرصيد ليس محل منافسة، فضلاً عن أن لاسم البارزاني وزناً خاصاً وثقلاً استراتيجياً في عواصم القرار الدولي والإقليمي، وحين تبحث القوى الكبرى عن ضمانات حقيقية، فإن بوصلتها تتجه دائماً نحو بارزان.
وهنا يجب أن ندرك قاعدة هامة: لا يمكن لأي قرار استراتيجي فرضته ظروف تاريخية معينة ومعقدة —حتى وإن تباينت حوله الآراء أو رآه البعض مكلفاً في وقته— أن يكون مبرراً لإلغاء المكانة التاريخية لرمز أمة. المرجعية لا تعني العصمة من الخطأ، فلا عصمة في ممارسات السياسة، بل تعني القدرة على الجمع، وامتلاك مفاتيح الحلول عندما تضيع البوصلة وتنسد الآفاق.
وعندما يتسامى البارزاني إلى مقام المرجعية، فإنه ينتقل من عباءة رئيس حزب ينافس على السلطة، ليكون “أباً روحياً” وقائد إنقاذ، يرتفع فوق لغة السجالات اليومية والمناكفات الحزبية، ليصبح مظلة الأمان التي تستظل بها كل القوى دون استثناء.
خارطة الطريق: مأسسة المرجعية بالتوافق:
ولتحويل هذا المفهوم من أدبيات السياسة إلى واقع حي وملموس، نحتاج إلى خارطة طريق شجاعة تشارك فيها القوى الأساسية، وفي مقدمتها الاتحاد الوطني الكردستاني وقوى المعارضة، وتقوم على فكرة “التوافق الوطني” الواعي، عبر الخطوات التالية:
۱.تسامي المرجعية عن العمل الحزبي: أن يتفرغ فخامة الرئيس مسعود بارزاني من الأعباء التنظيمية والإدارية اليومية للحزب الديمقراطي الكردستاني، وتفويضها بالكامل للقيادات الشابة، ليبقى مقام الرئيس بعيداً عن أي صراع حول مكتسبات حكومية أو حزبية.
۲.المبادرة التاريخية للشراكة: أن يبادر الاتحاد الوطني الكردستاني —امتداداً لإرث مام جلال الفكري وحرصاً على كيان الإقليم— بالدعوة إلى قمة وطنية كردستانية شاملة، يُعلن فيها اعتماد فخامة مسعود بارزاني مرجعاً أعلى للقرارات الاستراتيجية والمصيرية للإقليم في مواجهة ضغوط بغداد.
۳.مجلس الحكماء (مأسسة القرار): تشكيل “مجلس استشاري أعلى” برئاسة البارزاني يضم ممثلين حقيقيين عن كافة القوى السياسية، الأكاديميين، والشخصيات القومية الوازنة، لمنح القرارات المصيرية غطاءً قومياً جامعاً وشاملاً.وٲستنباطا من العصف الذهني وماكتبته من عمق الشعور بالمسؤولیة والاخلاص للقضیة الكردیة ودور المثمر والبارز علی الصعید الوطني والمحافل الدولیة استخلص بتوجیه رسالة متواضعة الی المرجع المقبل .
رسالة وفاء ومسؤولية وطنية إلى فخامة الرئيس مسعود بارزاني:
سيادة الرئيس المبجل، وراعي القضية القومية العادلة؛
ٲسمح لي بٱن اكتب الیك هذة الرسالة بكل فخر وٲعتزاز ٳلی شخصكم الكریم ٲود ٲن ٲقول ؛يعلمنا التاريخ أن المحن الكبرى والمهددات الوجودية لا تعبرها الشعوب بسلام إلا بحكمة كبارها، الذين يملكون الشجاعة لوضع مصلحة الوطن فوق أي انتماء ضيق أو مكسب عابر. واليوم، يقف إقليم كردستان، ببيته السياسي وقواه المختلفة، أمام اختبار تاريخي عسير يمس كيانه الدستوري، وتتطلع الأعين والأنظار نحو سيادتكم باعتباركم الرمز الباقي من جيل العمالقة، والمظلة القادرة على صون هذا الكيان وحمايته.
إن الرجاء القومي لأبناء هذه الأرض، المرفوع ببالغ التقدير إلى مقامكم السامي، هو دعوة لخطوة أبوية كبرى تليق بتاريخكم ومكانتكم. إن منح مساحة أوسع للقيادات الشابة لإدارة الشؤون الحزبية والتنفيذية اليومية سيمثل التفاتة حكيمة، تبعد سيادتكم عن تفاصيل الخلافات اليومية، وتتيح لجميع القوى الكردستانية —بلا حرج أو حساسية— أن تلوذ بحماكم، وتستمع لنصحكم كمرجعية وطنية جامعة فوق التنافس.
إن أمل شعبنا اليوم معقود على سعة صدركم الأبوية؛ بأن تحتضنوا مخاوف وهواجس الاتحاد الوطني الكردستاني وبقية القوى السياسية بقلب يستوعب الجميع، وأن تفتحوا أبواب حواركم الحكيم في بارزان دون شروط مسبقة، لتلتئم الشروخ ونصوغ معاً خطاباً واحداً وجاداً في مواجهة ضغوط بغداد وأمام المجتمع الدولي.
إن هذه المبادرة الشجاعة من لدنكم لن ترسخ مكانتكم كأب روحي للأمة في أنظار الأجيال فحسب، بل ستكتب نجاة إقليم كردستان من أعاصير الزمن وتقلبات المصالح. وإن شعبكم لفي انتظار مرتقب، وكله ثقة ببيتك الكبير وحكمتكم التاريخية.
حفظكم الله للوطن وللامة الكردیة .
*رئیس معهد الاصلاح الجنائي كوردستان العراق.