د. علاء إبراهيم
المواطنة تعني ان الفرد يكون له مركز قانوني يستمده من القانون منذ ولادته على أرض الوطن حتى مماته، فيكتسب حقوقاً معلومة ويتحمل مثلها التزامات معينة، فله اكتساب الجنسية والتمتع بامتيازات عديدة صحية واجتماعية وتعليمية واقتصادية وسياسية كثيرة، وبمعناها الاصطلاحي هي علاقة قانونية بين فرد ودولة ما تترتب عليها مجموعة من الحقوق والواجبات المتقابلة، وبمعناها السياسي تعني الاشتراك الإيجابي للمواطن في الشأن العام بممارسة الحقوق السياسية، وبمعناها الاقتصادي تضع على الدولة التزام إشباع الحاجات الأساسية للفرد ليسهم الفرد بتحقيق المصلحة العامة .
فالمواطنة في معنى محدد تعني الهم المشترك بين مواطني دولة ما، بما يحمله المعنى المتقدم من ضرورة التكامل بالعمل الفردي والجمعي لتحقيق الغاية الأسمى ألا وهي رفعة مكانة الدولة بين الدول والعيش الكريم لشعبها بقيام الفرد بواجبه كاملاً إزاء الدولة والمجتمع مقابل تكفل الطرف المقابل بحقوق الفرد بلا انتقاص .
ومما يشار إليه ان الأمم المتحدة ربطت بين مفهوم المواطنة وسيادة حكم القانون إذ يعني ما تقدم ان جميع الأشخاص العامة والخاصة لاسيما هيئات الدولة المختلفة خاضعة للقوانين العادلة والصادرة من الهيئة التي تمثل الإرادة العامة بشكل علني، على ان تكون هذه القوانين متفقة مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان وتطبق على الكافة بشكل متساوي وان يتم الاحتكام وفقها إلى القضاء المستقل المحايد، ومن متطلبات ما تقدم المساواة أمام القانون والمسؤولية أو تحمل التبعة، والعدل في تطبيق القانون، وما سواها من متطلبات الحكم الديمقراطي العادل .
ومن مقتضياته الفصل بين السلطات ومشاركة الأفراد في صنع القرار والسياسة العامة، وتحقيق اليقين القانوني من قبل المشرع بقوانين واضحة لا تقبل التأويل الواسع بما يفتح الباب واسعاً أمام السلطة العامة للتعسف باسم التفسير، وضمان الشفافية والمساءلة القانونية للسلطات والأفراد العاملين فيها بغض النظر عن أي اعتبار أخر غير العدالة والإنصاف وبما تقدم يتحقق المفهوم العملي للمواطنة حين يشعر الفرد بالانتماء لمجتمع ودولة كريمة تضمن له الحقوق والحريات الأساسية ويشعر فيها بأن السيادة للقانون وان المساءلة للمذنب مهما كان منصبه أو نفوذه .
ولقد شاع مصطلح المواطنة العالمية منذ عشرات السنين التي مضت إلا أنه تم استعماله رسميا في خطابات الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة من أمثال اليونسكو منذ العام 2010 وتم تضمينه أيضاً في وثائق المنظمة العالمية المتعلقة بالتنمية وأهدافها لغاية العام 2030، فالمواطنة العالمية تعني شيوع ثقافة تقوم على الانفتاح وتقبل الأخر والشعور بالانتماء الكوني وليس الوطني أو المحلي أو القبلي فحسب، وبالتالي تحمل المسؤولية الإنسانية تجاه كل البشرية بلا استثناء والعمل على تحقيق أهداف سيادة القانون عالمياً وتحقيق الكرامة الإنسانية .
لذا عند العمل على تكريس مفهوم المواطنة العالمية لابد من التركيز على النشء والشباب ليسهموا في هموم العالم ومواجهة المخاطر التي تتحدى الإنسانية ومنها التغيير المناخي والحروب الدولية أو الوطنية التي تخلف الملايين من النازحين والمهجرين ومئات الألوف من القصص المؤلمة للمعاناة الإنسانية، ليس ما تقدم فحسب بل تشجيع الفرد على المبادرة الفعلية في حل الإشكاليات التي تتهدد العالم ومقاومة النعرات العنصرية والتطرف والإرهاب والفساد بكل أشكاله والطغيان بكل تجلياته على المستوى الوطني والاجتماعي بل والأسري .
فالمواطنة العالمية هي شعور الفرد وإيمانه بضرورة التعايش السلمي بين الثقافات حول العالم، أو هي مجموعة من القيم العالمية والتي تتصل بالانتماء للعنصر البشري والمشاركة الواعية والفاعلة بتحديد المصير بما يتفق مع الأسس الديمقراطية وبما يجعل الفرد إيجابياً مدركاً للحيز الذي يشغله ومؤثراً في الوسط الذي يعيش فيه أو يتعامل معه، ولابد من الإشارة إلى ان العالم بعد الثورة التقنية أضحى باحة صغيرة وأصبح بإمكان الفرد التأثير بالرأي العام الوطني والعالمي باستثمار الجوانب الإيجابية لحرية الرأي والتعبير من خلال وسائل الاتصال والتواصل ذات الطابع العالمي .
وما تقدم لا يترك عذر لأي إنسان في ان يقول كلمته تجاه المخاطر التي تتهدد الكوكب وسكانه جميعاً والمطالبة بإصلاح الأوضاع قبل خروجها عن السيطرة، فلا بد من الشعور العالي بالمسؤولية تجاه الأرض والهواء والماء الذي تتشاركه جميع شعوب الأرض، يؤكد ما تقدم مقاصد الأمم المتحدة الواردة في المادة الأولى من ميثاقها الصادر العام 1945 ((حفظ السلم والأمن الدولي، وتحقيقاً لهذه الغاية تتخذ الهيئة التدابير المشتركة الفعّالة لمنع الأسباب التي تهدد السلم ولإزالتها، وتقمع أعمال العدوان وغيرها من وجوه الإخلال بالسلم، وتتذرّع بالوسائل السلمية، وفقاً لمبادئ العدل والقانون الدولي، لحل المنازعات الدولية التي قد تؤدي إلى الإخلال بالسلم أو لتسويتها، إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها، وكذلك اتخاذ التدابير الأخرى الملائمة لتعزيز السلم العام، تحقيق التعاون الدولي على حل المسائل الدولية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية وعلى تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعاً والتشجيع على ذلك إطلاقاً بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء)) .