د. كويستان عبد الكريم رشيد
اذا كان مفهوم الحق في الصورة قد أبصر النور على يد القضاء الذي اعترف به منذ منتصف القرن التاسع عشر، إلا أن هذا الاعتراف لم يحظَ بالتأييد من قبل جميع الفقه الذي انقسم الى اتجاه معارض لوجود هذا الحق متذرعاً بعدم وجود نص تشريعي يعترف بهذا الحق ويحميه، فضلاً عنه ليس هناك اي ضرر من قيام شخص بتصوير اخر ونشر صورته، وعلى العكس من هذا الاتجاه ذهب اتجاه اخر إلى الاعتراف بوجود حق للإنسان في صورته يتيح له منع غيره من القيام بتصويره ونشر صورته والاعتراض على ذلك وهذا الحق يتمتع بالحماية القانونية، إلا أن هذا الاختلاف حول وجود الحق في الصورة لم يستمر طويلاً وتم الاعتراف بالحق في الصورة.
لكن مع هذا الاعتراف بوجود الحق في الصورة ثار جدل فقهي حول التكييف القانوني لهذا الحق، ومما اذا كان الحق في الصورة ينتمي إلى طائفة معينة من الحقوق المعروفة كحق الملكية أو حق المؤلف أو الحق في الحياة الخاصة أم أنه يعد حقا مستقلا قائما بذاته، ولاختلاف الآراء ألتي قيلت بهذا الصدد الحق في الصورة حق ملكية يُعرف حق الملكية بأنه الاستئثار باستعمال الشيء وبإستغلاله و بالتصرف فيه على وجه دائم وكل ذلك في حدود القانون، ومن خلال هذا التعريف يتضح ان عناصر حق الملكية هي الاستعمال والاستغلال والتصرف، أما خصائصه فهي:
اولا- إنه حق جامع: يمتاز حق الملكية بأنه يخول صاحبه جميع السلطات التي تمكنه من الحصول على مزايا الشيء والاستفادة منه وهي سلطات الاستعمال والاستغلال والتصرف.
ثانيا- إنه حق مانع: والمقصود بذلك أنه حق مقصور على المالك دون غيره والذي له ان يستأثر بجميع مزايا ملكه ولا يجوز لغيره ان يشاركه في الاستفادة من هذه المزايا أو يتدخل في شؤون ملكيته بالاستعمال أو الاستغلال أو التصرف.
ثالثا- إنه حق دائم: ومعنى ذلك أن حق الملكية يبقى ما دام محله باقيا فصفة الدوام تكون بالنسبة للشيء المملوك لا بالنسبة لشخص المالك الذي يستطيع أن يتخلى عن ملكيته للشيء وينقلها الى شخص اخر بأي تصرف ناقل للملكية كالبيع أو تنتقل بالوفاة إلى الورثة، وبالتالي فان هذا التغيير في شخصية المالك لا يؤدي الى انقضاء حق الملكية وأنما تبقى الملكية قائمة ولكن انتقلت من مالكها الاصلي إلى شخص اخر، ويترتب على ذلك أن الملكية لا تسقط بالتقادم ولا يجوز توقيتها بمدة معينة كما أنها لا تزول بعدم الاستعمال.
و انطلاقا من هذه الخصائص لحق الملكية ظهرت النظرية ألتي نادت بكون الحق في الصورة هو حق ملكية، و تعتبر من اقدم النظريات ألتي ظهرت بصدد تكييف الحق في الصورة وتذهب هذه النظرية الى ان الشخص كما يكون مالكا لجسمه فأنه يكون مالكا لصورته ويتمتع بحق ملكية عليها لكونها تمثل هذا الجسم وتعد انعكاساً له، و يترتب على ذلك ان الشخص يملك على صورته السلطات الثلاث ألتي يخولها حق الملكية لصاحبه من استعمال و استغلال وتصرف، وبالتالي يستطيع ان يتصرف في صورته بالبيع أو التنازل متى ما كانت قابلة للتداول كما أنه يستطيع ان يستغل هذه الصورة سواء بمقابل أو بدون مقابل بالنشر لأغراض دعائية.
واستنادا لهذا الرأي اذا قام شخص بتصوير آخر أو نشر صورته دون موافقته فإنه يكون قد اعتدى على حق الملكية الذي يكون لهذا الشخص على صورته وبالتالي يكون لصاحب الصورة أن يرفع دعوى المسؤولية التقصيرية لحماية صورته من كل اعتداء، وهناك من يرى ان الحق في الصورة قد مر بمراحل متعددة اتخذ في أولها مظهرا ماديا، اذ تعد صورة الشخص مظهرا لشخصيته أو تصوير مادي لهذه الشخصية وتزعم هذا التصوير المادي الفقيه كيسنر وسار معه في هذا التصوير الفقيه كامبو جواندي حيث قال: ((إن الصورة شيء مادي لا تقتصر في حقيقتها على مجموعة من خطوط والوان وضلال بل وتتكون من عظام وعضلات و تظهر من خلالها صفات الشخص الداخلية)).
و ان تكييف الحق في الصورة على انه حق ملكية يؤدي الى الخلط بين صاحب الحق و موضوع الحق، فالحق العيني الذي هو سلطة مباشرة لشخص على شيء مادي معين بالذات يفترض وجود صاحب حق يستطيع ممارسة سلطاته من استعمال و استغلال و تصرف على شيء خارج عن كيانه وهو موضوع الحق، وهذا يعني وجود تمايز واستقلال بين صاحب الحق وموضوعه غير ان هذا الاستقلال غير موجود بالنسبة للحق في الصورة و ذلك لأن الصورة ليست شيئا خارجيا عن الشخص ومرد ذلك هو ان ملامح الإنسان جزء من كيانه ولا يمكن ان تكون محلا للحقوق، فمحل الحق يجب ان يكون شيئا خارجيا مستقلا عن صاحب الحق، إلا أن الحق في الصورة يمكن ان يجد محل مادي منفصل عنه ويكون ذلك بعد طبع الصورة، إذ إن الصورة المطبوعة هي شيء مادي وبالتالي يمكن لصاحبها ان يباشر عليها سلطاته كمالك.
يضاف إلى ما تقدم أن الحق في الصورة لا يهدف الى حماية المظهر المادي بل إن المقصود من الحماية هو صاحب الصورة وذلك لان سلطته في الاعتراض على تصويره أو نشر صورته دون موافقته لا تحمي شيئا ماديا وأنما تحمي شخصية الانسان الذي تمثله الصورة، فضلا عن ذلك ان اعتبار الحق في الصورة حق ملكية لا يمكن مسايرته أو التسليم به في جميع الحالات فلو قام فنان برسم صورة لشخص فان ملكية الصورة أو اللوحة تكون للفنان على اعتبار أن له حقا ادبيا عليها.
و استنادا لما تقدم لا يمكن تكييف الحق في الصورة على أنه حق ملكية و ذلك لأن الإنسان ليس له حق ملكية على جسمه وانما هو مملوك لله سبحانه و تعالى، وما الجسد الا وديعة استودعها الله لدى الانسان، فالإنسان لا يملك جسده و ليس له افناء هذا الجسد، وهناك العديد من الآيات القرآنية التي تدل على ذلك منها قوله تعالى (خلق الانسان) وايضاً قوله تعالى: ((لله مُلكُ السموات والارض يخلق ما يشاءُ يهب لمن يشاء اناثاً و يهب لمن يشاء الذكور)).