مناف حسن
الكورد من أحد أقدم شعوب الشرق الأوسط، ويقدر عددهم بأكثر من 50 مليون نسمة، يعيشون في وطنهم التاريخي كوردستان الذي قسم خلال القرن الماضي بين العراق وتركيا وإيران وسوريا. ورغم أنهم يعدون من أكبر الشعوب في العالم التي لا تمتلك دولة مستقلة، فإنهم حافظوا على هويتهم القومية ولغتهم وثقافتهم رغم عقود طويلة من الحروب والاضطهاد وسياسات الإنكار والتهميش.
يتوزع الكورد بصورة رئيسية بين تركيا والعراق وإيران وسوريا، وتختلف أوضاعهم السياسية من دولة إلى أخرى، لكنهم يشتركون في مطلب أساسي يتمثل في الاعتراف بحقوقهم القومية وحقهم في تقرير مصيرهم وفق القوانين والمواثيق الدولية.
لقد لعبت الأنظمة المتعاقبة في الدول التي يعيش فيها الكورد دوراً كبيراً في تعقيد القضية الكوردية، من خلال سياسات الصهر القومي والحرمان من الحقوق الثقافية والسياسية، الأمر الذي أدى إلى استمرار التوتر والصراعات لعقود طويلة. وفي المقابل، أثبت الكورد أنهم عنصر أساسي في استقرار المنطقة، وساهموا في محاربة الإرهاب وحماية التعايش بين مختلف القوميات والأديان.
على العرب، سنة وشيعة، أن يدركوا أن كسب الكورد كأصدقاء وحلفاء وجيران خير لهم من تحويلهم إلى خصوم بسبب سياسات الإنكار والتهميش. فالكورد ليسوا ضيوفاً على هذه الأرض، بل شعب أصيل فيها له تاريخه وهويته وحقوقه المشروعة.
إن استمرار بعض الخطابات التي تنكر حقوق الكورد أو تعتمد على سرديات تاريخية غير منصفة لن يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين الشعوب. أما الاعتراف المتبادل والاحترام المتبادل والقبول بالحقوق المشروعة للجميع، فهو الطريق الأقصر لبناء منطقة مستقرة وآمنة يستفيد منها العرب والكورد وسائر شعوب الشرق الأوسط.
إن الطريق نحو شرق أوسط أكثر أمناً واستقراراً لا يمر عبر إنكار وجود الكورد أو تجاهل حقوقهم، بل عبر الحوار والاعتراف المتبادل والبحث عن حلول عادلة ودائمة تضمن حقوق جميع الشعوب. فالكورد لا يريدون أن يكونوا أعداء لأحد، بل يتطلعون إلى العيش بحرية وكرامة وسلام مع جيرانهم من العرب والترك والفرس.
إن تجاهل القضية الكوردية لن يؤدي إلا إلى استمرار الأزمات وعدم الاستقرار، ولو اخمدت تطلعاتهم لفترة من الزمن ،،أما معالجتها بعدالة وحكمة فستحول الكورد إلى جسر للتعاون والسلام بين شعوب المنطقة. فالشعوب لا تتخلى عن هويتها وحقوقها، والكورد أثبتوا عبر تاريخهم الطويل أنهم سيواصلون نضالهم السياسي والقانوني والسلمي حتى تحقيق تطلعاتهم القومية المشروعة.
إن حل القضية الكوردية ليس مصلحة للكورد وحدهم، بل مصلحة لجميع شعوب المنطقة. فبدون عدالة حقيقية وإنصاف للشعب الكوردي، ستبقى هذه القضية حاضرة في المشهد السياسي، وستبقى المنطقة عرضة للتوترات والصراعات. أما الاعتراف بالحقوق المشروعة للكورد واحترام إرادتهم، فسيكون خطوة تاريخية نحو شرق أوسط أكثر استقراراً وسلاماً …