د. علاء إبراهيم محمود الحسيني
يشير الضمان الاجتماعي إلى مجموعة كبيرة من البرامج والسياسات المخصصة للحماية الاجتماعية للأفراد من المخاطر المختلفة، أو هو مجموعة الخطط العامة والاستراتيجيات المرسومة مسبقاً والتي من شأنها إن تحقيق الأمن الاجتماعي ضد المخاطر التي تتمثل بالشيخوخة والمرض أو العجز أو البطالة، وتربية وتنشئة الأطفال ورعاية الفئات الأكثر ضعفا كالأيتام والأرامل ومن سواهم من الفئات .
ومما لا شك فيه إن التقدم في ملف الضمان يسهم بشكل فاعل في تحقيق الأمن والسلم الأهلي المستدام القائم على نبذ كل أشكال العنف والأفكار المتطرفة، فالسلم الأهلي نمط عيش يسوده التفاهم ونبذ العنف بكل تجلياته في العلاقات الثنائية الجماعية داخل المجتمع الواحد، وهو ما يتطلب السعي إلى سيادة حكم القانون وشيوع ثقافة السلم والتسامح وقبول الرأي الآخر ودعم مؤسسات إنفاذ القانون .
ومن أهم المقومات لبلوغ السلم الأهلي تحقق العدالة الاجتماعية بالمساواة في توزيع الخدمات العامة والحرص على محاصرة أسباب العنف أو الميل نحو الإجرام، لذا يكون الضمان الاجتماعي مقدمة صالحة لبلوغ السلم الأهلي وللوصول إلى ذلك انتهجت الدول على اختلاف فلسفاتها مناهج عدة من شأنها ان تنهض بالواجب الجماعي تجاه الفئات المشار إليها انفاً، إذ يشمل الضمان معالجة الآتي :
الدخل: والذي يرتبط بمعدل حصة الفرد من الخدمات والسلع لاسيما الأساسية وتبرز مشكلة تذبذب الدخل ما ينعكس سلبا على الحياة اليومية لجميع الفئات وبخاصة (في حالة الضعف والأوقات الصعبة التي يمر بها بعض الأفراد، حيث أشار الدستور العراقي للعام 2005 إلى ما تقدم في المادة (30) التي تنص على الآتي “ثانياً: تكفل الدولة الضمان الاجتماعي والصحي للعراقيين في حال الشيخوخة أو المرض أو العجز عن العمل أو التشرد أو اليتم أو البطالة وتعمل على وقايتهم من الجهل والخوف والفاقة وتوفر لهم السكة والمناهج الخاصة لتأهيلهم والعناية بهم وينظم ذلك بقانون”
تكلفة الخدمات الطبية: إذ يعاني جل العراقيين من سوء الخدمات الطبية المقدمة في المؤسسات الصحية الحكومية ما يضطرهم إلى العلاج في المؤسسات الصحية الخاصة والأهلية أو السفر خارج البلاد لغرض العلاج ما يوقعهم ضحية الغلاء الفاحش لتلك الخدمات الطبية والصحية وكذا يكونوا صيدا سهلاً لعصابات النصب والاحتيال باسم شركات السفر لأغراض العلاج أو تقديم خدمات الترجمة للمسافرين منهم، في الوقت الذي يلقي الدستور العراقي على السلطات العامة واجب توفير الخدمات الصحية للمرضى العراقيين حيث تنص المادة الثلاثون على “أولاً: تكفل الدولة للفرد والأسرة وبخاصة الطفل والمرأة الضمان الاجتماعي والصحي والمقومات الأساسية للعيش في حياة حرة كريمة تؤمن لهم الدخل المناسب والسكن الملائم” وبالفعل صدر قانون الضمان الاجتماعي رقم (22) لسنة 2020 بيد ان القانون لم يدخل حيز التنفيذ الكامل إلى اليوم ما يعني بقاء الفئات الأكثر ضعفاً في حالة من الحاجة لتحسين الخدمات الصحية والطبية ذات الصلة برفع المعاناة عنهم .
تكلفة تكوين الأسرة: إذ تتصاعد وبشكل حاد يومياً تكلفة المعيشة في العراق ويذوق الفرد وبخاصة فئة الشباب الأمرين للحصول على فرصة عمل بغية تأمين متطلبات تأسيس الأسرة وللحكومة اليد الطولى في هذه المشكلة لاسيما بعد إن رفعت سعر صرف الدولار مقابل الدينار العراقي ما استنزف قوت العراقيين وتسبب في مشاكل اقتصادية نتيجة تصاعد الأسعار بشكل جنوني لاسيما السلع الأساسية في الوقت الذي يلقي الدستور على الحكومة واجباً بدعم الفرد لتأسيس الأسرة إذ تنص المادة التاسعة والعشرين من الدستور على “أولاً: 1- الأسرة أساس المجتمع وتحافظ الدولة على قيمها الدينية والأخلاقية والوطنية. 2- تكفل الدولة حماية الأمومة والطفولة والشيخوخة وترعى النشء والشباب وتوفر لهم الظروف المناسبة لتنمية ملكاتهم وقدراتهم .
وما تقدم من التزام على عاتق السلطة العامة لا يجد مصدره في الدستور فحسب بل إن القواعد القانونية ذات الأصل الدولي هي الأخرى تتضمن بالغالب النص على التزامات مماثلة حيث ورد في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المادة (9) ما نصه “إن الدول الأطراف في هذا العهد تقر بحق كل شخص في الضمان الاجتماعي بما في ذلك التأمينات الاجتماعية”، وأشار إعلان فلادليفيا للعام 1944 إلى أهمية “توسيع تدابير الضمان الاجتماعي لتوفير دخل أساسي لجميع الأشخاص المحتاجين لهذه الحماية وتوفير الرعاية الطبية الشاملة”، كما تضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحد العام 1948 في المادة (22) منه إلى أنه “لكل شخص بوصفه عضواً في المجتمع حق الضمان الاجتماعي وأكدت المادة (25) من الإعلان أن لكل إنسان “الحق في ما يأمن به الغوائل في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترمل أو الشيخوخة أو غير ذلك نتيجة ظروف خارجية عن إرادته .
والتي تفقده أسباب المعيشة”ولعل السبب الذي يكمن في تأكيد الاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الإنسان على الضمان الاجتماعي يكمن بدور الضمان في حماية الكرامة الإنسانية وتحقيق السلم الأهلي لجميع الأشخاص حينما يتعرض أياً منهم لظروف قاهرة تتسبب لهم بأزمات اقتصادية أو اجتماعية أو ما سواها، ولتتمكن الجهات الحكومية من النهوض بالضمان الاجتماعي .