المفاوضات الصعبة في إقليم كردستان

 

 

سهاد طالباني

العلاقة المتوترة بين الحزبين الرئيسيين في إقليم كردستان ليست بالأمر الجديد، وهذا تحديدا ما يدعو للأسف، فالتنافس السياسي أمر مقبول بل ومرغوب بالتأكيد، ويكون عادة من خلال القنوات الديمقراطية، سواء من خلال الانتخابات البرلمانية او المحلية أو من خلال الاعلام او العمل الجماهيري، كذلك فالتفاوض بين الأحزاب على المواقع السياسية أو القوانين او الملفات والمواضيع السياسية وغيرها أمر طبيعي في الأنظمة الديمقراطية، حيث يبني كل طرف موقفه التفاوضي على عناصر القوة التي يمتلكها، سواء كانت عدد المقاعد في البرلمان او القوة الجماهيرية على الأرض او قدرة الحزب على التأثير في الرأي العام، كل ذلك طبيعي ومقبول ويحصل في الكثير من الدول بما فيها الديمقراطيات العريقة. ما سبق يمكن ان يندرج تحت عنوان “المفاوضات الناعمة” وهي تلك المفاوضات التي تقوم على نهج تصالحي وتعاوني أكثر، حيث تركز الأطراف المعنية أكثر على بناء العلاقات، وإيجاد أرضية مشتركة، والبحث عن حلول مفيدة للطرفين، بدلاً من مجرد محاولة الحصول على أفضل صفقة. ونقيض هذا النوع من المفاوضات هو “المفاوضات الصعبة أو الحادة” والتي تكون أكثر عدوانية وتصادمية، وهنا يمكن القول بأن ما يحدث بين الحزب الديمقراطي الكردستاني ونظيره حزب الاتحاد الوطني الكردستاني هي “مفاوضات صعبة”.

 

هذا النوع من المفاوضات يجعل التوصل الى أرضية مشتركة اكثر صعوبة، لا نقول ان ذلك مستحيل، ففي المحصلة الهدف من أي مفاوضات هو الحصول على اكبر قد من المكاسب، لكن محاولة تحقيق هذه المكاسب من خلال محاولة “كسر عظم” الطرف الاخر قد يحقق مكاسب انية لهذا الطرف او ذاك، لكن النتيجة على المدى البعيد ستكون سلبية بالتأكيد، وعلى الطرفين ان يدركا ان الفرق كبير بين محاولة تحقيق مكاسب أيا كان نوعها، وبين محاولة فرض السيطرة على الطرف الاخر، فهذا الامر لا يمكن ان يقبل به أي حزب سياسي، فما بالك بأحزاب لها تاريخ وتأثير.

 

اقتتال داخلي

 

على الحزبين ان يعودا بالذاكرة الى الخلافات التي حدثت بينهما في تسعينيات القرن الماضي، وكيف انتهى الأمر الى اقتتال داخلي كانت نتيجته الاف الضحايا والنازحين والضرر الكبير الذي لحق بالاقتصاد والبنية التحتية، وهو امر لا يمكن ان يقبل أي مواطن في إقليم كردستان ان يتكرر من جديد، خاصة بعد التقدم الكبير الذي تحقق داخل الإقليم على عدة مستويات، حتى لو كان هناك عشرات او مئات الملاحظات السلبية على العديد من الملفات، الا ان ما تحقق من مكاسب منذ الاقتتال الداخلي وحتى الان هو امر لا يمكن التضحية به نتيجة صراعات الحزبين والإصرار على التفاوض بهذه الطريقة.

 

على الطرفين ان يدركا انه من المستحيل ان يفرض احدهما سيطرته على الاخر بأي وسيلة كانت، وعليهما ان يدركا أيضا ان المخاطر الناتجة عن هذه التوترات والصراعات اكبر بكثير من أي مكاسب يمكن ان يحققها أي منهما، فنحن هنا نتحدث عن خطر تفكك الإقليم وكذلك احتمالية خسارة التحالف مع القوى المؤثرة وعلى رأسها الولايات المتحدة التي أعلنت صراحة انها تفضل العمل مع إقليم كردستان موحد، هذا دون ان نتحدث عن مخاطر التدخل الخارجي من دول الجوار التي ستحاول بالتأكيد استغلال ما يحدث لفرض سيطرتها على الإقليم.

 

ليس مطلوبا من الحزبين ان يندمجا او ان يكون لهما برنامج موحد، على العكس، المطلوب ان يكون هناك تمايز في البرامج السياسية والاقتصادية، فهذا هو الطبيعي، وليس مطلوبا كذلك ان يعيش الحزبان حالة انكار وان يدعيا انه لا توجد بينهما أي مشاكل او خلافات، بل يجب أولا الإقرار بوجود هذه الخلافات من قبل الطرفين، ومن ثم التفاوض من اجل الوصول الى حلول، وهنا يكون الحديث عن “المفاوضات الناعمة” مع الإقرار بأن هذا المصطلح لا يعني ان عملية التفاوض ستكون سهلة او غير معقدة.

 

ان مسؤولية الحزبين امام انصارهما وامام الشعب الكردي في إقليم كردستان العراق هي مسؤولية تاريخية واخلاقية كبيرة، ولذلك يجب ان تكون هذه المسؤولية هي البوصلة التي تقود أي عملية تفاوض بينهما، وعلى الطرفين ان يستعدا للدخول في مفاوضات قد تكون طويلة ومعقدة، ولكنها في النهاية لا بد ان تقود الى حلول من نوع ما، المهم ان لا تكون هذه الحلول على حساب مكتسبات المواطنين الاقتصادية والأمنية.

قد يعجبك ايضا