صلاح بكر – بغداد
حينما تتجه افئدة الملايين من كل فج عميق شطر البيت العتيق ، ملبية نداء السماء في مشهد مهيب يخلب الألباب ويأسر القلوب ، تشرق على الدنيا شمس “عيد الأضحى المبارك”. انه ليس مجرد يوم عابر في تقويم الأيام ، بل هو ملحمة روحية تتجاوز حدود الزمان والمكان، لتروي لنا قصة من اعظم قصص الإيمان والتسليم المطلق للخالق جل جلاله. في هذا اليوم الأغر، تتجسد أسمى معاني الحج الأعظم، حيث يقف الناس سواسية على صعيد عرفات الطاهر، لا فرق بين غني وفقير، ولا بين ابيض او اسود ، يجمعهم رداء أبيض ناصع يشبه اكفان الموتى ، وامل يحدوهم نحو رحمة الله ومغفرته ورضوانه.
في قلب هذا المشهد المهيب، تتراءى لنا من خلف حجب الزمان ذكرى خالدة محفورة في وجدان الإنسانية ، ذكرى الخليل إبراهيم عليه السلام، حين واجه الاختبار الأعظم الذي يمكن ان يمر به قلب اب حنون. لقد أمره الله بتقديم فلذة كبده وثمرة فؤاده إسماعيل قرباناً. لم يتردد النبي الأب في تلبية النداء، ولم يجزع الابن البار، بل قال بلسان اليقين والإيمان العميق: “يا أبت افعل ما تؤمر”. إنها تجربة عظيمة أراد الله أن يختبر بها نبيه إبراهيم ، وفي لحظة بلغت فيها القلوب الحناجر ، وتجلت فيها أسمى آيات الطاعة ، نزلت الرحمة الإلهية لتفتدي إسماعيل بذبح عظيم. تلك الحادثة لم تكن مجرد قصة تروى ، بل كانت إعلانا سماويا بأن الدماء لا تراق عبثاً ، وأن غاية الدين هي تزكية النفوس وارتقاؤها.
وقد جرت حكمة الله البالغة أن تمتد خيوط هذه الحادثة العظيمة عبر الأزمان ، لتنتقل من عهد أبي الأنبياء إبراهيم، إلى زمن خاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم. لقد أحيا نبينا الكريم هذه السنة المطهرة، وجعلها ركنا من أركان الحج وشعيرة من شعائر العيد الأكبر ، لتظل الأمة موصولة بجذورها الروحية ، تتوارث قيم الفداء والتضحية جيلا بعد جيل. إنها استمرارية لرسالة التوحيد الخالصة التي تجمع الأديان السماوية على كلمة سواء، وتؤكد على وحدة الرسالة الإلهية.
ولا يقتصر بهاء هذا العيد على البعد الروحي فحسب ، بل يمتد ليشمل أبعاداً إنسانية واجتماعية عميقة. ففي قطرات الدماء التي تراق من الأضاحي، تغسل القلوب من أدران الشحناء والبغضاء. إنه موسم تبث فيه أواصر المحبة بين الناس ، حيث تمتد الأيدي بالخير والعطاء ، وتطعم البطون الجائعة ، وتجبر الخواطر المكسورة. العيد هو تلك المساحة الدافئة التي تذوب فيها الفوارق الطبقية ، وتلتقي فيها الأرواح على موائد التكافل والتراحم.
وفي خضم ما يشهده عالمنا اليوم من صراعات وانقسامات، يقف عيد الأضحى كمنارة تضيء دروب البشرية ، ليوجه نداءا عالميا من وحي هذه المناسبة العظيمة ، إننا ندعو الناس جميعاً في هذا اليوم المبارك للتواصل ونبذ الخلافات ، ونشر روح التسامح والسلام في كل أرجاء المعمورة. لنجعل من هذا العيد فرصة لنمد جسور المحبة ، ونفتح صفحات جديدة من العفو والمغفرة ، متأسين بخليل الرحمن وبخاتم الأنبياء، ليعم السلام في الأرض، وتزهر الإنسانية بالوئام والأخوة الصادقة.