جاسم العقيلي
تخيل للحظة أنك تجلس مع صديق، وفجأة يصل إلى هاتفه خبر مفزع. يقفز قلبه، يرتجف صوته، ثم يرسله إلى عشرة آخرين… دون أن يعرف أن الخبر كذبة كاملة، صُنعت في غرفة مظلمة، بهدف بث الرعب فقط. هذا ليس سيناريو افتراضيًا، بل هو واقع يعيشه الملايين يوميًا .
التضليل الإعلامي لم يعد ضجة عابرة، بل أصبح سكينًا تُغرس في جسد الحقيقة. إنها حرب صامتة، تُربح فيها الكذبة قبل أن تنتعل الحقيقة حذاءها. لكن السؤال الذي يؤلم: كيف نواجه؟ وكيف نحمي من نحب من هذا الفيضان السام؟ .
الجواب يبدأ من وعينا. فكما قال جوزيف خان، مدير تحرير صحيفة نيويورك تايمز، محذرًا من محتوى منصات التواصل: “هذه المواد ليست أخبارًا، إنها احتيال وانتحال لصورة الصحافة”. إنها سموم ترتدي ثياب الطب .
ويؤكد الباحث المتخصص في تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، بول رايلي، حقيقة مرة أخرى: “الصحفيون المحترفون هم من يجب أن يفككوا الأكاذيب”. لكنهم وحدهم لا يكفون. فأنت، أيها القارئ، سلاحك الأقوى هو ألا تصدق بسرعة. توقف. اقرأ. اسأل. تمهل “.
من جهته، يصف الكاتب والصحفي البريطاني نيك ديفيز بيورينج “ما نراه على وسائل التواصل ليس فوضى عابرة، إنه سلاح دمار شامل ضد العقل الجمعي. من يشارك خبرًا دون التحقق منه، يصبح متواطئًا في جريمة ضد الحقيقة ” .
أما الإعلامي المصري خيري رمضان، رئيس تحرير جريدة الأهرام الأسبق، فيضيف بعدًا محليًا مهمًا: “في مجتمعاتنا العربية، نعاني من ‘وباء الإشاعة’ الذي يتفشى عبر واتساب وفيسبوك أسرع من أي فيروس. الحل ليس في الحذف والتكميم، بل في التثقيف الإعلامي منذ المدرسة. علم الناس كيف يسألون: من قال؟ ومتى؟ وأين الدليل؟ ” .“.
لكن لا. الحقيقة أصعب، لكنها أنقى. إن مواجهة التضليل تبدأ منك: من قرارك ألا تكون قناة للسم، ومن الصحفي أن يكون شفافًا حتى العظم، ومن المنصات أن تتخلى عن أرباحها المؤقتة لحماية عقول أبنائنا