محمد ابراهيم / اسطنبول
من من أبناء جيلي والأجيال السابقة علينا لايتذكر ألق العيد قديماً إذ كان يشبه نافذةً تُفتح دفعةً واحدة على الفرح والحلم و الضوء، إذ تكفي رائحةُ الكليجة الخارجة من التنور، وصوتُ الأم وهي توقظنا قبل الشروق، حتى يشعر أحدنا أن الدنيا اتسعت لقلبه الصغير. كانت البيوت طينية متواضعة، كما كانت الثياب بسيطة، إلا إن الموائد كانت مترفة وفق مقاييس تلك المرحلة، لكن الأرواح طالما كانت أكثر اتساعاً، وكانت الضحكات تخرج من عمق الناس كما لو أن التعب لا يعرف طريقه إليهم. من هنا بقيت صورة العيد الأولى معلقةً في الذاكرة مثل شجرة دائمة الاخضرار، مهما مرّ عليها من خريف.
كان الطفل ينتظر تلك القطع النقدية الصغيرة من أبويه كما ينتظر كنزاً أسطورياً، إذ تتحول الليرة الواحدة إلى عالم كامل من الفرح، وتصبح السكاكر ألذَّ من كل ما تصنعه مصانع الدنيا اليوم. فاكهة العيد كانت تحمل طعماً آخر، كانت أطيب مما نأكل الآن، لأن القلب يومها كان يتذوق الأشياء بعفويةٍ كاملة. فالتفاحة كانت تشبه عيداً صغيراً، والعنب يبدو كأنه هدية نازلة من السماء، فيما الثياب الجديدة، رغم بساطتها تلك، كانت تمنح صاحبها شعوراً بأنه أجمل طفل في الأرض.
العيد ذاته لم يتغير، التكبيرات مازالت تصعد إلى السماء، والأضاحي مازالت تحمل معناها العميق، والناس مازالوا يتبادلون التهاني، إنما نحن الذين تغيرنا تحت وطأة ما جرى لنا. إذ مرّت الأعوام محمّلةً بالحروب والخذلان والاقتلاع، حتى صار الإنسان يحمل غربته أينما ذهب. تهجّرنا داخل الوطن وخارجه، وتوزعت أرواحنا على خرائط لا تشبهنا، رحل أعزاء علينا: آباء . أمهات. أعمام عمات مقربون فصار العيد يزور بيوتاً ينقصها الذين كانوا يملؤونها حياةً وضجيجاً ومحبة.
كم من أمٍّ تستقبل العيد الآن بقلبٍ ناقص، وكم من أبٍ يجلس أمام صورة ابنه البعيد، محاولاً أن يقنع نفسه أن المسافات لن تهزم الحنين. أجيال كاملة كبرت وهي تعرف المطارات أكثر مما تعرف الساحات القديمة، وتعرف أخبار اللجوء أكثر مما تعرف ألعاب العيد. لذلك لم تعد السكاكر كما كانت، ولا الفاكهة كما كانت، ولا حتى الثياب الجديدة قادرةً على منح ذلك الشعور الأول، لأن الطفولة نفسها أصبحت جريحة.
عيد الأضحى بالإضافة إلى إنه محطة للتواصل وتبادل التهاني، فهو مساحة زمنية جميلة تظهر فيها الأرواح النبيلة في نقائها وصفائها الأول، إذ ينهض القلب من تعب العالم ليصافح الرحمة والمحبة والسكينة. كلُّ أضحيةٍ تحمل معنى الوفاء، وكلُّ تكبيرةٍ تفتح نافذةً للنور، حيث يبقى العيدُ وعداً بأن الخير مازال قادراً على الانتصار داخل الإنسان، رغم كل ما يحيط بنا ويهددنا من خراب.
لهذا فإن العيد، مهما أثقلتنا الحياة، يبقى محاولةً لاستعادة الإنسان الذي كنّاه ذات صباح بعيد. يبقى مناسبةً كي نعيد ترتيب قلوبنا، وننفض الغبار عن صور الطفولة، ونصدق ولو لوقت قصير أن العالم مازال قادراً على منحنا لحظة صفاء. إذ ليست المشكلة أن العيد تغيّر، بل إن الطريق الطويل من الفقد والتيه والحروب جعل أرواحنا أقل قدرةً على الاحتفال كما كانت. ومع ذلك، يبقى في داخل كل واحد منا طفل صغير ينتظر تكبيرة العيد الأولى، لعلها تعيد إليه شيئاً من تلك الأيام التي كانت فيها الحياة أبسط، لكنها أكثر امتلاءً بالمعنى والدفء والناس.