ماجد ع محمد
من محاسن أي لوحة فنية في الغلاف الأمامي للكتاب الذي نتهيأ لقراءته، أنها تمهِّد الأرضية لانطلاق طائر التوقعات في الاتجاه الذي نرنو إليه، كما أن اللوحة الفنية تلك تعمل على تشغيل ماكينة الخيال قبيل الدخول لفضاءات أي عمل أدبي، لذا كانت اللوحة بوَّابة العبور إلى مناخات تعج بصور الحزن واليأس والألم، وتحمل دلالة أخرى ألا وهي أن الخيمة الصغيرة هي آخر ملجأ يعتصم به الناجون من بين أشداق الكارثة، ويبقى الأكثر حيرة في الكوارث الطبيعية أن المرء يظل على الدوام محروماً من آلية إلقاء اللوم على أحد، وليس له الحق في تحميل تبعات الحدث على أي شخص أو جهة سياسية أو اقتصادية أو أي فريق بشري بشكل عام، بعكس الخصام والصراع والمعارك بين الأطراف المتحاربة، حيث بمستطاع المرء التنفيس حيالها عن غضبه، أو توجيه نقده، أو عتابه لهذا الطرف أو ذاك.
فصحيح بأن هذه الخيمة الصغيرة في الطقس العاصف تقي الملتجئ إليها من البرد القارس ومن غزارة الأمطار، ومن احتمالات النجاة من الهزات الارتدادية، إلا أنها في الوقت ذاته تشير أيضاً إلى أنها تعيد الإنسان إلى أولى مراحل الطفولة البشرية، تلك المرحلة التي لم يكن قطار الحضارة الإنسانية فيها قد وجد أو انطلق، كما أن الخيمة هذه تشي بأن المعتصم بها قد تخلى عن كل شيء وليس له من بين كل ما يملك من الأشياء الثمينة والمتاع إلا بضع ليرات في جيبه والثياب التي يرتديها، أليس هذا هو الفقد العظيم بحد ذاته حتى لو لم يخسر المرء أي شخص من عائلته وأقاربه ومعارفه، فكيف سيكون الأمر إذن عند كل من يفقد معها أغلى الناس لديه، وليس له القدرة وقتها حتى على المساهمة في إنقاذهم، بما أن الاستسلام فرض سلطانه عليه والهلع لم يفارق بنيانه، كما أنه هو نفسه ما يزال مهددًا بالالتحاق بهم نتيجة الرجرجات المتلاحقة للقشرة الأرضية.
أما بخصوص التنويه من خلال نصف الكلمة، يقول الشاعر والكاتب الفرنسي «جان كوكتو» إن «الشاعر لا يطلب الإعجاب أبداً، بل يود أن يصدقه الآخرون»، وهذا الإحساس هو الذي من المفترض أن يرافقنا ونحن نقلِّب مواجع ذاتية تخص الشاعر، ولكنها بحق ناطقة بلسان عدد هائل من الذوات المسكونة بالمواجع، وفي هذا تحديداً تتجلى القيمة المثلى لكتابة هي شخصية وذاتية نعم، ولكن الكثير من الأشخاص يجدون فيها ما يعبِّر عن ذواتهم، وبما أنني كآلاف البشر مثلي عشت تلك الأجواء بحذافيرها إبان الفاجعة، لذا أحس بمدى صدق الشاعر حين يقول: «الرعب نفسه يسير بيننا بلا قدمين». (ص: 5).
قد يبدو مفتتح القصيدة مفاجئاً للقارئ المتدين «أكفّنُ أصابعي برائحةِ آلهةٍ متّهمةٍ بالرحمة». (ص: 9)، ولكن من الحكمة أن يتلحف ذلك المصدوم بتلك الصورة الشعرية ببعض أسمال التروي، لأن المرء في لحظات العجز التام يبوح بما لم يكن متوقعاً منه البوح به في الأيام العادية، فأوان النازلة لا نبدو فقط مرتبكين غير متوازنين، إنما حتى ما نصرِّح به يخرج منا بكامل لامألوفيته، فنحن في الفاجعة نحن، ولكن حالنا كحال مَن كان في أوج الثمالة، حيث لا يُتهم ولا يُدان بخصوص تصرفاته ولا يُحاسب عن حدة ملفوظاته، لذا يُخفَّف الحكم عليه حتى إن ارتكب ذنباً، ونحن في هنيهات العجز على الأغلب سنسامح على ما بدر منا إن كان كفراً أو اتهاماً أو غضباً نستحي منه إن كنا في اليقظة الكاملة، وبهذا الخصوص ثمة صورة أخرى مماثلة في الصفحة (84)، حيث تظهر ملامح الربِّ في الأشياء الماثلة أمامنا «أقرأُ تجاعيدَ اللهِ في كأسي الحزين».
وعدا عن الشعراء الذين دعوا للاندماج مع الطبيعة، كالأميركي «هنري ديفيد ثورو»، واللبناني «جبران خليل جبران»، الذي دعا أيضاً للفرار من الغش والكذب وتلفيقات المدينة والعودة إلى الطبيعة في قصيدة «المواكب»، فكثيراً ما قرر الإنسان المخنوق بتكاليف الحياة العودة إلى الطبيعة كي يهنأ بالهدوء والصفاء، وكثيراً ما شبهنا الأرض بأمنا الحنون التي نلجأ إليها في أوقات الكرب العظيم، وقد نتشوق للتعفر بحضنها محتمين بها مما يهددنا في زحمة المدن وسواطير مطالبها التي لا تكفّ عن ملاحقتنا، ولكن ماذا نصنع عندما نرى بأن التي كنا نقصدها في الأزمات باتت تطاردنا، تعاملنا بكل عنف وكأنها فقدت السيطرة على ذاتها وكالخارج عن طوره لم تعد متحكمة بسلوكياتها، لذا بدلاً من أن تكون جاذبة ورؤوفة بنا باتت منفّرة، وعوضاً عن أن تكون حاضنة وغامرة باتت مرعبة وذلك بدلاً من أن تضمنا إلى صدرها في لحظات الرعب العظيم.
«الأرضُ… أمُّنا الحنونةُ،
الغريبةُ والغامضةُ.
أنهكَتْنا،
أرهقَتْنا،
أحرقَتْنا،
أهانَتْنا…
كأنّها جائعةٌ،
تريدُ التهامَنا». (ص: 12).
تؤكد المجريات المعاشة والشواهد الحية من حولنا أن الإنسان يتعلق بالحياة حتى آخر نفس له، ولا يرغب بمغادرتها حتى وإن كان قد تخطى مرحلة الشيخوخة، ومع ذلك فليست الحياة بتلك المتعة الدائمة ولا بتلك الصورة البهية، إنما في مضائق المحن وعلى عتبات المهالك ترانا على أهبَّة التخلي عنها والتعبير المر عن فصولها، كقول الشاعر:
«حياتُنا:
عَجْزٌ… قَاتِمٌ،
قَهْرٌ… كاتِمٌ،
قَلَقٌ… دَائِمٌ،
وألمٌ لا ينتهي…
حياتُنا:
حربٌ لا رايةَ لها،
رُسِمَتْ بريشةٍ عمياء. (ص: 14).
وعلى سيرة الألم وعلاقته بالخلق حسب ما أشار إلى ذلك «إميل سيوران» هو «أن تتألم يعني أن تنتج المعرفة»، فإن ذلك القلق وذلك القهر وذلك العجز الذي لازم الأديب لم يذهب سدى، لأن اجتماع تلك المشاعر الحارقة في ذات الشاعر تركت هذا الأثر الذي نتلو بعضاً من كلماته الآن.وصحيح بأن الشاعر لم يفقد أحداً من أهل بيته في الرجة الكونية في ذلك اليوم المشؤوم، إلا أنه يتكلم هاهنا بلسان الآلاف ممن خسروا أعز الناس لديهم، فهو يخاطب الأرض نيابة عنهم وكأنه يخاطب جبّاراً أو طاغية.
«أيّتُها الأرضُ
أيّتُها الرؤوفُ المتجبّرةُ،
يا مَن لا أمانَ في رئتيك،
ولا على كتفيك». (ص: 16).
كما أنه نيابة عمن فقدوا ذويهم لا يكفّ عن طرح التساؤلات بخصوص الأب الذي فقد عائلته، والطفلة المولودة بين حطام الجدران، وعن العاشقة والشاب والمدينة المفجوعة بأكملها، إلى الدرجة التي تراه يدعو عليها، أي على الأرض بالهلاك، حيث يقول:
«الويلُ لكِ أيّتُها الأرضُ
الويلُ لكِ…!!». (ص: 18).
وإذا ما كنا نبدو في كامل استغرابنا عندما نسمع أو نقرأ في كتب الأولين عن ظواهر تقديم القرابين البشرية في قديم الزمان من قبل الإنسان البدائي لإرضاء الآلهة أو الطبيعة الهائجة لسبب كانوا يجهلونه، فبعد الذي سمعناه من الأحياء، وما كُتب هنا وهناك عمن عايشوا لحظات جنون الأرض، فإن نسج الأساطير الغريبة من قبل السلف عن عنف الأرض وجبروتها، لم يعد محط اندهاش أو استهتار، لأن ما تفعله الأرض الهائجة والمندفعة بغضبها للأعلى خلال ثوان معدودات لم تفعله حروب البشر بالقذائف والمدافع والصواريخ الباليستية في عشر سنوات.
«ثلاثون ثانيةً…
هزّةٌ
ابتلعَتْ قصصَ حبٍّ،
وشغفاً،
وأسراراً كانَتْ تُكتبُ في الظلّ.
صرخةٌ واحدةٌ،
كأنّ الأرضَ نزفَتْ في ومضةٍ،
ثم سكتَتْ.
ثلاثونَ ثانيةً…
تكفي
لِتلخيصِ عُقودٍ
من الحربِ،
والنزوحِ،
والطغيانْ». (ص: 19).
وبما أن الشاعر الحساس تراه في الملمات متجاوزاً أناه، ينشد ويتكلم بلسان الغير، حيث يُعيد إنتاج الحرقة اليومية عبر وضعها في لوحة جمالية تذكر بالماضي وتحذِّر المتلقي من حدوث ما يماثلها في قادم الأيام، ويترجم أوجاع العامة في الكوارث معيداً صياغة معاناتهم من خلال وضعها في قوالب فنية تليق بالذي تجرعوه أيام المحنة، كما أنه ينتبه إلى جزئيات قد لا تكون ظاهرة من قبل الكثير ممن يتلقفون الأنباء المتعلقة بالمأساة، ومنها على سبيل الذكر ما جرى إبان الفاجعة في بعض المدن التركية وكذلك الأمر في بلدة «جنديريس» الكوردية، التي شملها عصف الزلزال، من خلال التنويه إلى ازدواجية معاناة أهلها من الطبيعة والبشر على حد سواء.
إذ بالرغم من أن الزلزال لا يهتم بالهويات القومية والدينية والعرقية، وآخر هم لدى الزلزال هو أن يفكر بكبار السن أو يرحم الأطفال والنساء، حيث إن شموليته أغلظ مئات المرات من شموليات الأنظمة القمعية في العالم، إلا أن الذين كانوا مرشحين ليكونوا كغيرهم ضحايا شمولية الزلزال يُظهرون عنصريتهم في الوقت الذي قد لا تخطر تلك المشاعر حتى على بال الحيوان أوان الكارثة، ولكن الأوادم المدججون بالأسلحة الأيديولوجية يُظهرونها بكل صفاقة.
«سألوه
بعدَ أن خرجَ من تحتِ الأنقاضِ:
«لِم لَم تمُدَّ صوتَك
لصيحاتِنا؟».
أجابَهم… وكرامتُه مفضوضةٌ
كعذريةٍ
لم يُسألْ عنها:
«اللغاتُ
ترفضُني
تتّهمُني
تتآمرُ عليَّ؛
فخبّأْتُ لغتي بينَ تعبي وخوفي». (ص: 48).
فالمصائب التي تطال عامة الناس من المفروض أن توحدهم وتحثهم على التضامن والتكاتف، ولكن المثير للاستغراب أنه في أوج الكوارث، وبين حطام المدن وركام الأسى، فبدلاً من التعاون وتضافر الجهود قد يُلاحظ المراقب الدقيق تصرفات غير إنسانية تتمثل في التمييز بين الضحايا في أحلك الأوقات، فأن تكون غريباً أو لا تكون من أتباع السلطة فقد تُحرم من مزايا كثيرة، كالإسراع في تقديم العون والرعاية والاهتمام والانتشال حياً من بين الأنقاض، إذ إن الغريب واللامحسوب على السلطان قد يكون مهملاً في حياته وفي مماته يغدو أكثر إهمالاً.
وفي هذا الإطار تحديداً كتبت حينها الروائية الكوردية «مها حسن» قائلة: «إن السوري اللي تحت الأنقاض في تركيا، عم يخاف يحكي ويصرخ، لأنه الأولوية للضحايا الأتراك، وفي جنديرس العربي بيحصل على المعونات قبل الكوردي، ويمكن الكوردي أصلاً ما عم يحصل عليها، ما حدا يقول مو وقته، الإنسانية فوق كل شيء وفي كل وقت». أما منطقة (واشوكاني/ رأس العين)، فصحيح بأنه لم يشملها غضب الطبيعة، ولا تحسست المنطقة جنون الفوالق تحت تربتها، إلا أن ما تجرعته المدينة وأهلها على أيدي جنجويد السلطان الجديد كاد أن يضاهي زلزال الطبيعة.
وبما أننا أشرنا إلى السلوك اللاإنساني وفق المكتوب في القصيدة، فلا بأس بأن نلتفت إلى بعض ما يتعلق بالحيوانات أيضاً، إذ في الصفحة (46) نقرأ عن مهارة الكلاب وإخلاصها في البحث والتقصي بخلاف بعض البشر الذين عملوا جاهدين على تضليل الرأي العام وإخفاء الحقائق:
«كلبٌ
وفيٌّ
حنونٌ
صادقٌ…
يُرشدُ المعاولَ والجرّافاتِ،
والكاميراتِ الحراريةَ؛
كأنّه يعرفُ حجمَ المأساةِ».
كذلك الأمر، ففي الصفحة (59) نرى التشابه بين الإنسان والذئب من جهة الترقب والمكوث على صراط اليقظة والمنام في ذات اللحظة: «ننامُ وأجفانُنا حرّاسٌ».
كما أن الشاعر يُشبّه تشققات الأرض وصدوعها وفالق الأديم بحيّة مرعبة تنوي القضاء علينا والتهامنا:
«كثُعبانٍ ماكرٍ،
زحفَ نحوَنا
ابتلعَنا
ابتلعَ أيّامَنا،
وحتّى عِراكَنا القديمِ مع الترابْ». (ص: 61).
وبخصوص عواقب ارتدادات الزلزال فلقد عايش عشرات الآلاف من مواطني تركيا وسوريا هذه اللحظات المرعبة إبان الهزات المتلاحقة لقشرة الكرة الأرضية.
«ما زلْنا على قيدِ هزّاتٍ،
لم تهدأْ بعدُ.
إنّها تأخذُنا في مدٍّ وجزرٍ، يا صديقي
مدُّها مُميتٌ،
وجزرُها… أشدُّ فتكاً». (ص: 59).
كما أن بقاء الناس تحت وطأة الإرهاب المستمر للزلازل، والتفكير المستمر بها وبالذي من المتوقع أن تفعله بالناس فوق كل ما حل بهم، يذكرنا ذلك الموقف بما أورده الكاتب الفرنسي «موريس بلانشو» عن النازلة الكبرى في كتابه «كتابة الفاجعة» حين يقول: «سمة الفاجعة أن نظل تحت تهديدها دون سواها».
والزلزال القوي بالنسبة إلى من عايشوا هنيهات عصفها المدمر يشبه يوم الآخرة، حيث يتلاشى كل شيء، ولا يطال الهدم المباني والصروح العظيمة فحسب، إنما التقويض يشمل المداميك الداخلية للإنسان الذي كان حاضراً وقتها، حيث نقرأ:
«تلاشينا داخلَك،
هُزمْنا بك،
كُسِرْنا…
أمحيْتِنا،
يا قيامةً
لا تُبقي شيئاً… إلّا الغبارْ.
فمَن يعيدُ تكوينَنا؟». (ص: 86).
أما عن حيادية الأرض وبرودة مشاعرها بل وفقدانها لتوازنها وهي تتعامل مع أحب الكائنات إليها، وتخليها خلال لحظات عمن كانوا يتغنون بحنانها، ويترنمون باسمها، ويؤلفون الأناشيد عن جمالها، ويغفون في حضنها آمنين، نقرأ:
«القمرُ يتغزّلُ بالأرضِ.
ويقولُ آخرون:
الأرضُ هي المُتغزِّلةُ.
لكنّني رأيْتُها غاضبةً،
تتغزّلُ بنا بغضبٍ!
تهزُّ قلوبَنا،
تهدِمُ بيوتَنا.
ثم تمضي،
وكأنّها لا تعرفُنا». (ص: 60).
وفي هنيهات الضيق الأعظم تتقلص الأماني وكأنها حدقات أعين بالغت في اقترابها من حدود الشمس، وعندما تغلق الأفق وتحاصرنا أنياب الخراب والدمار في كل مكان ننسى أحلام التوسع، ننسى امتلاك الشقق الفاخرة، واقتناء العربات الفارهة، وارتياد أرقى المناطق في العالم، فما نسعى للحصول عليه لحظتئذ شيء ضئيل جداً:
«أمنياتُنا…
خيمةٌ صغيرةٌ،
منصوبةٌ
في ركنٍ هادئٍ
من عالمٍ
لا وقتَ فيه للقنابلْ». (ص: 64).
وباعتبار أن تصدعات الزلازل والبراكين هي من أقسى الأمراض التي تصيب الأرض فاعتلال الأرض هنا في ذات الصفحة وعلى وجه الخصوص عبارة: «بلادٌ نسيَتْ كيفَ تشفى» تأخذنا إلى أجواء ما كتبه يوماً الكاتب والمسرحي البريطاني «هارولد بنتر» عن مرض السرطان الذي يفتك بجسد الإنسان في قصيدته «خلايا سرطانية»، والتي جاء في مفتتحها: «لقد نسيت كيف تموت، لذا تمدِّد حياتها القاتلة».
ومن فيض القهر واليأس الذي يرتمي بثقله على الأجساد قد يوجه المرء في هنيهات الانكسار سؤاله لأي شيء، سواء أكان ذلك الشيء يقع خارج مدارنا أم يتحرك في دواخلنا:
«أيُّها الدمُ
لم كلُّ هذا العصيان؟
لم أنت حنونٌ؟
لم كلُّك غضبٌ؟
أجبْني،
ولا تُدِرْ وجهَك عني». (ص: 68).
وعن نضالات المرأة ومعاركها اليومية لانتزاع أسباب الاستمرار في هذه الحياة بالرغم من مرارة العيش فيها، نقرأ:
«أمّي…
امرأةٌ
يتجلّى اللهُ
في عِرْقِها وعَرَقِها.
أمضَتْ عمرَها ضائعةً،
بينَ صمتِ المذبحةِ
وجوعِ المعجزةْ.
لمْلمَتْ آلاماً كريهةً
بكاءً طازجاً… ساكتاً.
وحدَها حروبُ الأمّهاتِ
لا تتوقّفُ…
لا هُدَناً فيها،
ولا مصالحاتْ». (ص: 70).
أما عن الحرب وكيفية البدء بإشعالها في مكان ومن ثم الانتقال بها إلى مكان آخر يقول «ديفيد سوانسون»: «إن القوة الدافعة الرئيسية وراء الحروب هي صناعة الحرب»، ولا شك في أنه قبيل التحضير للحرب والإعداد لها هنالك مقدمات كثيرة تقود إلى التفكير الجدي بها وذلك قبل التسليح، وقبل دراسة تكاليفها العسكرية والاقتصادية والبشرية، فنقرأ:
«الحربُ… إنسانٌ
تلفظُ أنفاسَها الأخيرةَ في مكانٍ،
لتلِدَ في مكانٍ آخرْ.
الحربُ… خادمٌ متديّنٌ
يحملُ سيفَه،
كأنّه مِفتاحُ الجنّةِ،
ويحرسُ عرشَاً
من دُخانْ». (ص: 72).
والصورة الشعرية الأخيرة أي: «عرشاً من دُخان». صورة مبتكرة ووقعها الشعري آسر بحق. وبما أن المرء حين خلاصه الوشيك من بين فك الموت يتذكر كل المحطات المماثلة، لذا فإن فاجعة شباط (فبراير) أخذت الشاعر إلى مناخات معاهدة «سيفر»، التي اعترفت لأول مرة بحق الشعب الكوردي في تحقيق مصيره في عام 1920م، إلا أن المعاهدة تلك غدت كالوعود الشفاهية التي لا يعترف أحد بها وقد تم التنصل منها، أما اتفاقية «لوزان» الموقعة عام 1923م والمذكورة في القصيدة، فهي التي بترت جسد كوردستان، وقامت بتوزيع ذلك الجسد بين عدة دول، وعن دوام الخيبات، ففي كل الأشهر نبقى منسيين من قبل العالم، ولا ينتبهون إلى وجودنا إلا في شهر آذار (مارس)، الذي يختزل حسرات الكورد ومباهجه، وحتى فرحه في ذلك الشهر يبقى مشوباً بالحزن.
«ومع آذارَ
يتلفّتُ العالمُ إلينا،
يمرُّ على أجسادِنا
مرورَ الغيمِ الثقيلِ». (ص: 73).
ومن المقاطع التي تزيد من منسوب كآبتنا مع كل ما يحيط بنا من رُكام الأسى عقب الفاجعة، هو تجاهلنا التام من قبل كل الفاعلين الذين يدّعون بأنهم ينتبهون إلينا، ومعنيون بنا، ولكنهم في واقع الأمر لا يلتفتون لحالنا، إلا حين التأكد من انكسارنا.
«نحنُ وجودٌ
لا يُرى،
ولا يُسمّى،
إلّا بعدَ الهزيمةْ». (ص: 74).
والشاعر في القصيدة غدا شبيهاً بحال من كان في النزع الأخير من عمره، إذ تمر من أمام أبصاره كل محطات الشجن، وتُعرض لقطات بانورامية من عذابات السنين الفائتة، لذا تراه يستحضر الفصل التراجيدي الأخير من ملحمة «سيامند وخجي»، التي تتقطر وجعاً وأنيناً، حيث يكون سيامند معلَّقاً بين الأرض والسماء، بعد أن سقط في الهاوية على جذع حاد اخترق جسده وهو بين الموت والحياة، منتظراً حبل النجاة، فهو يتأوه من الوجع الحاد كالألم الذي وصفه «موريس بلانشو» بقوله: «ألم، قاطع، مفتّت، يحيي ما لم يعد عيشه ممكناً حتى في الذكرى»، فيذكر الشاعر في الصفحة (89) من القصيدة/ الديوان:
«غنِّ
أيُّها الرسولُ الكورديُّ،
واتركْ حبالَك
تصدحُ في وجهِ سيامندَ:
نحن الألمُ
ألمٌ وُلِدَ من الألمِ
ألمٌ
لا يزالُ يحمي نفسَه…
من الألمْ».
والشاعر في الديوان الذي خرج للنور إثر المخاض العسير، لا يلتفت على ذاته الجريحة كالقنفذ من هول الواقعة، إنما يتمثل ويتحسس جروح الآخرين، ويشعر بالذي أصاب غيره في كل من كهرمان مرعش، غازي عنتاب، هاتاي، رُها، آمد، ملاطيا، عثمانية، أضنة، حلب، إدلب وبلدة جنديريس، شأنه في ذلك شأن الكاتب الكوردي مام دوكالا (Mem Dogala)، الذي كتب أيضاً ديواناً عن ذلك الزلزال بعنوان: (Demsarem).
ويبدو أن لناحية جنديريس وقعها الخاص لدى الشاعر، ليس لارتفاع نسبة الضحايا فيها مقارنة بباقي مناطق الشمال السوري، وليس لأنها عانت من غضب الطبيعة وجور المتسلطين على البشر فيها، إنما لأن جنديريس تذكره بالمواويل الشجية للفنان الراحل «جميل هورو»، الذي أغنى فضاءات جنديريس بصوته العذب، بما أنه عاش قسطاً طويلاً من عمره فيها، وجنديريس تذكره بمغني الملاحم الكوردية «عبد الرحمن عمر، بافى صلاح»، الذي كان صوته الجهوري كالجبل الذي يتكئ عليه سهل جنديريس في الظروف القاهرة.
وفي الأخير لا أرى بأني أسديت الكاتب والمكتوب حقه لأن الوقت كان يضيق بخناقه عليَّ، لذا أتصور بأني أسرعت الخطى في بعض الصفحات، أو لعلني قفزت من فوق بعضها الآخر، لذا سأورد في الأسفل طائفة من المقاطع، التي استوقفتني في القراءة الأولى ولكني لم أكن ملتزماً بالعناية بها في القراءة الثانية.
– هكذا المدنُ، تموتُ حينَ نخذلُها، وتولدُ حينَ لا نكونْ.
– زلزالٌ لا ظلَّ له، لا رائحةَ له… يمرُّ كما يمرُّ الجنودُ فوقَ القصائدِ.
– زلزالٌ مثلَ وحشٍ يأكلُ، ثم ينتظرُ… دورةً أخرى من الألم.
– تركوا ساعةً، لا تنطقُ الوقتَ، بقيَتْ لتشهدَ، كلَّ ما لن يُكتب.
– أيُّ أديبٍ، استطاعَ أن يكتبَ، مشهداً متصدّعاً، تهشّمَتْ فيهِ المرآةُ، وبقيَ الوجهُ، يبحثُ عن صورتِه في الغبارْ؟
– أمامَ حدودٍ عاقرةٍ، منتصبةٍ كمسمارٍ، في جبينِ حياةٍ.
– وحدَه الحطامُ، ينطقُ بصوتٍ، لا يُجمّلُه أحدٌ.
– يا جرّافاتِ العالم: الحزنُ ليسَ إسمنتاً… كيف ستجرفونه؟ بالهجرانِ؟ بالقلمِ؟ أو ببترِ الروحِ، حينَ تعجزُ الآلاتُ عن البكاءْ؟
– تنفّسيني، أيّتها البلادُ اللاجئةُ، لأزدهرَ… وأُزهرَ، ونرفعَ معاً، عناقاً فرِحاً، إلى اللانهاية.
– في داخلي، ألفُ خيمةٍ متحسّرةٍ، وخيمةُ كبرى، تأبى أن تُنصبَ، أمامَ زلزالٍ، يُروّضُ اليقينَ… واللايقين.
– متى يكونُ المطرُ بغياً؟ حينَ يغرقُ طفلٌ، في سيولٍ مسعورة.
– نحن كائناتٌ تتّقدُ، في سماءٍ مزدحمةٍ بالدلالاتِ القاتلة.
– إنّنا ضحايا المعنى، وهو يُخطئُ في التسميةْ.
صدر الديوان الشعري «الحزن وباء عالمي» هذا العام 2026م، عن منشورات نوس هاوس للنشر والترجمة والأدب في هولندا، ويقع الديوان في (96) صفحة من القطع المتوسط، وهو العمل الشعري الثالث للشاعر إدريس سالم، بعد مجموعتيه «جحيم حيّ»، و«مراصد الروح».